fbpx
يوليو 24, 2024 7:24 م
Search
Close this search box.

مونديال قطر: هل عدنا إلى لغة المتروبول مجدداً؟

منذ اللحظات الأولى لنيل قطر شرف تنظيم المونديال، بدأت أصواتٌ في الغرب تعبّر عن ثقافةٍ استعلائية كامنة، ما لبثت أن عادت وبقوة، غايتها التشكيك بقدرة القطريين على إنجاز المهمة على نحو يليق بالمناسبة التي ينتظرها العالم أجمع، وتشارك دوله بفعالياتها، إن من خلال المنتخبات التي تلعب في التصفيات الممهّدة للنهائيات، أو من خلال الملايين التي تشاهد المباريات على القنوات الإعلامية، وهي عملية تكلّف المليارات من العملات الصعبة، حيث سجّل هذا المونديال أعلى نسب من المشاهدة، والحضور الجماهيري، فضلاً عن عائداته المالية.

وهذا التشكيك، أخذ طابع استحضار الماضي السحيق بصوره النمطية المتجذّرة في ذاكرة المواطن العادي في أوروبا والغرب عن العرب والأفارقة، وغيرهم من الأقوام. وما يقلق من هذا الماضي، أنه ماضٍ استعماري خلنا جميعاً أننا قد غادرناه إلى غير رجعة. فحتى رؤية اللاعبين المغربيين يكرّمون أمهاتهم بعد كل مباراة، لم ترق للبعض، لدرجة تشبيههم وعائلاتهم بـ»القرود». وللإنصاف، ثمة شريحة وازنة من الأوروبيين اعتبرت هذا التصرّف مشيناً وعنصرياً. فتم الاعتذار.

وكان رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، قد اتّهم الغرب قبل المونديال بالنفاق على خلفية التقارير عن أوضاع حقوق الإنسان في دولة قطر. وقد نقل عنه قوله: «أنا أوروبي، وبسبب ما كنّا نفعله منذ 3000 عام حول العالم يجب أن نعتذر خلال 3000 سنة القادمة قبل إعطاء الدروس».

وما أثار النقاش مجدّداً، صورة أمير قطر تميم بن حمد، يُلبس اللاعب ميسي «البشت» التراثي القطري بعد فوز الأرجنتين على فرنسا، بحجّة أنّه قد غطّى على قميص منتخب بلاده، ما بدا أنّها «حجّة» مفتعلة تحاول تمرير موقف عنصريّ غير مبرّر. إذ إنه في مناسبات كهذه تلجأ الدول جميعها إلى إبراز الطابع التراثي بتقديم مجسّم أو منحوتة أو رمز أو لباس خاص بالبلد، الأمر مألوف وغير مستغرب، لا بل محبّب، كونه يساهم في تلاقح الثقافات وتلاقي الحضارات بدلاً من صدامها. وبالفعل فقد رسم فنان أرجنتيني جدارية عملاقة للاعب ميسي وهو يرتدي «البشت القطري» احتفالاً بالفوز. تصرّف الأمير القطري يقع في صلب الرياضة، كوسيلة لتقريب الشعوب من بعضها البعض، وهذا ما عبّر عنه الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان ذات مناسبة، عندما تمنّى أن تقوم العلاقات السياسية الدولية على العدل، على غرار ما يجري في التنافس الرياضي بصفته ركيزة من ركائز الرياضة، الذي يتحقّق من خلال تطبيق قواعد اللعبة على الجميع، دون تفرقة أو تمييز.

من نافل القول، إن للرياضة تأثيرها في العلاقات الدولية، فكلّ محاولات فصل السياسة عن الرياضة قد باءت بالفشل. فالمجابهات الرياضية التي تجمع منتخبات الدول المتنازعة في السياسة، لا تلبث أن تظهر خلافاتها على «المستطيل الأخضر» أو على المدرجات، هذا ما حدث عند لقاء المنتخب الأرجنتيني بنظيره الإنكليزي في مونديال 1986 على خلفية «حرب الفوكلاند»، حيث لا تزال عبارة النجم دييغو مارادونا بعد تسجيله هدف بيده وبطريقة عجائبية خدعت الكثيرين: «إنها يد الله» شديدة الحضور، في إشارة منه إلى الانتقام «الإلهي» من الهزيمة العسكرية التي منيت بها بلاده أمام بريطانيا.

لا خلاف أنّ الدول عند استضافتها الفعاليات الرياضية أو الثقافية تسعى لتكوين صورة ذهنية مغايرة، تساهم في تبديل المواقف المسبقة، وتكسر النمطيات، لبناء علاقات متوازنة مع الآخر، قوامها اختبار الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون، لتبدو أنها دولة مزدهرة مسالمة، وتؤدي دورها الحضاري.

وهذا ينطبق على القيادة القطرية التي سعت بكل ما أوتيت من قوة وإمكانيات لاستضافة المونديال، ليس فقط لرؤية الكرة المستديرة تتدحرج فوق الملاعب القطرية، فعلى أهمية البعد الرياضي، إلا أنّه يصعب إغفال حقيقة أنّ الرياضة باتت وسيلة دبلوماسية تستند إلى القوة الناعمة المعترف بها واقعياً في حقل العلاقات الدولية. وكأن بدولة قطر تريد القول إنّ دوري يفوق حجمي، وإنّ حجم الدول مهما كان صغيراً، لا يمكن اعتباره في كل الأوقات، عائقاً أمام صياغة سياسة خارجية نشطة، فعّالة ومؤثرة.

ففي مونديال قطر جرت أحداثٌ لا يمكن اعتبارها هامشية، تلك الأحداث بدت في ظاهرها رياضية، بينما في خلفيتها سياسية، وكانت الترجمة الواضحة لاختلاف المواقف، من باب حقوق الإنسان. وبمعزل عن رأينا في الموضوع، فهذا تأكيد على أنّ السياسة حاضرة في كل شيء. يعزز من ذلك، حضور وزيرة الداخلية الألمانية المونديال على خلفية دعمها حقوق المثليين. كذلك فعل لاعبو المنتخب الألماني بكمّ أفواههم في المباراة ضد اليابان. ومع أنّ الدولة المنظمة أكّدت أنّها سترحّب بالأزواج من مجتمع الـ»ميم»، إلّا أنّه كان واضحاً أنّها اعتبرت الأمر وكأنه تدخّل في شؤونها الداخلية، وهذا الأمر يعيدنا إلى النقاش المحتدم حيال مفهوم «السيادة» وتحوّلاته.

بعيداً عن السياسة، فقد جاء في القول المأثور: إذا أطعمت فأشبع، وإذا ضربت فأوجع. ويبدو أنّ القطريين قد أضافوا: وإذا نظّمت فأبدع. هذا ما يهمّنا، وهذا أجمل ما تمّ تحقيقه.

مجيد مطر – نداء الوطن

اقرأ أيضا