الإقفال في لبنان بالأرقام: لزوم ما لا يلزم؟

الإقفال في لبنان بالأرقام: لزوم ما لا يلزم؟

منذ قرابة عام تقريباً، حذّر جون يونيديس، أستاذ علم الأوبئة والطب المبني على الأدلة في جامعة ستانفورد، من غياب المعطيات الثابتة التي تُبنى عليها الإجراءات المهولة للسيطرة على تفشي «كورونا». وشبّه قساوة هذه السياسات أمام التهديد البسيط المحتمل للفيروس كمثل «فيل تهاجمه قطة منزلية؛ ينتابه الإحباط ويحاول تجنّب القطة، فيقفز عرضاً عن حافة جرف ويموت» (1).

بالرغم من كثرة الدلائل التي صارت تؤيّد هذا الرأي، لا تزال السلطات المعنيّة في لبنان تواجه «كورونا» كما في يومها الأوّل، متبرّئة من مسؤوليّتها في تجهيز المستشفيات على نحو يجنّب البلد أزمةً اقتصادية واجتماعية ونفسية، عدا عن تلك التي يمرّ بها.

ولكن قبل الخوض في حيثيات الإقفال الأخير، لا بد من لفت النظر إلى خطورة كورونا في لبنان مقارنةً ببلدان أخرى. يشير الهيكل العمري لوفيات «كورونا» في لبنان إلى أن 17% منها يُنسب للفئة العمرية دون 60 عاماً (1058 من أصل 6286 حالة وفاة) وهو أقل من المعدل السنوي لوفيات هذه الفئة في المستشفيات (29% أو 5340 من أصل 18282 وفاة) (2).

لبنان، إذاً، ليس كالولايات المتحدة التي يعاني 40% من الشباب فيها من مرض السمنة، ما يجعلهم أكثر عرضة للاستشفاء والموت جراء إصابتهم بـ«كورونا». في المقابل، لبنان ليس كإيطاليا التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً في نسبة كبار السن، وهو ما عجّل في استنزاف طاقتها الاستشفائية بسرعة. وليس كإسبانيا وفرنسا والسويد وكندا وأستراليا، حيث شكلت وفيّات «كورونا» في دور المسنين نسبة 40 إلى 75% من مجمل الوفيات المنسوبة للفيروس (3).

من المهم أن يؤخذ كل ذلك في عين الاعتبار عند تقييم فعالية وحِدّة الإجراءات في بلد وآخر.

بالعودة إلى الإقفال التام في لبنان – وصورته الأقسى والأطول مطلع هذا العام – تتجه الأنظار تلقائياً إلى النتائج الإيجابية لفحوصات «PCR» المحلية، والتي ارتفعت أكثر من مرة ونصف لتبلغ ذروتها منتصف كانون الثاني ثم عادت لتنخفض بسرعة في نهايته بعد حوالى أسبوعين من فرض الإقفال. يغيب عن هذه الصورة زيادة ونقصان عدد الفحوصات على نحوٍ موازٍ تماماً للتقلب في عدد الإصابات (انظر الرسم البياني أعلاه)، ما يؤكّد أن الحالات الإيجابية تزداد لزوماً عند زيادة الفحوصات في ظل التفشي المجتمعي للفيروس. الأغرب أنه لم يسبق لعدد الفحوصات أن ارتفع بهذا القدر ثم انخفض فجأة منذ بداية رصد الفيروس، ولعله كان استجابةً للطلب الكثيف من قِبل المخالطين بعد احتفالات رأس السنة.

قد تمثّل نسبة النتائج الإيجابية من مجمل الفحوصات معياراً أدق لتقييم فعالية الإقفال، والتي بلغت ذروتُها معدّلاً يقارب 25% ثم انخفضت إلى حوالى 20% عند نهاية فترة الإقفال. لكن قبل التسليم بنجاح هذا الإجراء، لا بد من اعتبار الاتجاه التدريجي لانتشار فيروس «كورونا» المستجد من حالة الجائحة إلى حالة التوطّن (أي كسائر الفيروسات التنفسية)، وهو ما يعتقده 89% من العلماء في استطلاع أجرته دورية «نيتشر» أخيراً (4).

 إن صح ذلك، فمن المعقول جداً أن تدل ذروة الانتشار وانحسارها التي شوهدت في لبنان وسائر بلدان العالم على التأثير الموسمي لهذا الفيروس. بل هو ما يطابق تماماً ذروة انتشار فيروسَيْ كورونا OC43 وHKU1 المسببين للرشح (وهما من نفس فصيلة فيروس كورونا المستجد) التي تمتد خلال شهرَيْ كانون الأول والثاني من كل عام (5).

وكما نسبة الإصابات، فقد يُفَسّر التأثير الموسمي انخفاض وفيات «كورونا» من معدّل 76 إلى 44 حالة وفاة، بالإضافة إلى كون شهر كانون الثاني الأكثر تسجيلاً لوفيات المستشفيات بشكل عام.

 مما يرجّح أيضاً غياب دور فعّال للإقفال التام ما يلاحَظ من استقرار نسبي في حالات الاستشفاء (بين 2147 و2483 حالة) وفي حالات العناية الفائقة جرّاء «كورونا» (بين 885 و960 حالة) من حين الذروة وحتى نهاية الإقفال. بل إن العدد الأعلى في حالات العناية الفائقة سُجّل نهار الاثنين الماضي في 22 آذار (992 حالة عناية فائقة و2425 حالة استشفاء)، بالرغم من أن النسبة الإيجابية للإصابات المحلية بلغت معدّل 18.8% للأيام السبعة الماضية، آنذاك، ولا تزال دون 20% حتى اليوم.

 إذاً، لا تلازم بين القدرة الاستيعابية للمستشفيات ومدى التفشي المجتمعي للفيروس كما تمثله النسبة الإيجابية للفحوصات. وقد يرجع ذلك إلى نسبة لا بأس بها من الإصابات المكتسبة في المستشفيات، والتي بلغت مثلاً 44% في الصين حتى نهاية آذار 2020 (6) و22% في بريطانيا في تشرين الثاني 2020 (7).

بناء على ما تقدّم، تدلّ المؤشرات على أن الإقفال التام المتواصل لشهر ونصف لم يحقق المرجو منه من تخفيف العبء عن المستشفيات. ومع ذلك، لا يزال البعض يرى فائدة من الإقفال القادم المتقطّع في فترة الأعياد. بل قد يتوهّم هؤلاء أن الإقفال سيؤخّر الهجرة المتزايدة للعاملين في القطاع الطبي، مع أن غيابهم المستقبلي هو ما سينهك الأنظمة الاستشفائية لا محالة.

وقد يُقال إن نجاح الإقفال يكمن في غياب الكارثة الاستشفائية التي كانت ستقع لو لم يُطبّق، وهو ادعاء لا أساس له. على سبيل المثال، شارك يونيديس في بحث منشور في الدورية الأوروبية للتحقيقات السريرية مطلع هذا العام، استنتج فيه أن لا فرق في نمو معدل الحالات بين الدول التي طبقت درجات متوسطة وشديدة من إجراءات الإقفال والتي طبقتها بأخف الدرجات كالسويد وكوريا الجنوبية (8).

في المقابل، تُغَيَّب التأثيرات السلبية للإقفال خصوصاً في من هم أكثر عرضة لها وأقل عرضة لضرر الفيروس، نعني بذلك الإقفال المستمر للمدارس أمام الأطفال دون سن التاسعة. إذ سجلت هذه الفئة حتى اليوم ثمانية وفيات فقط، سبعة منهم ذوو وضع صحي خاص، من أصل 1681 حالة وفاة سنوياً .

وتكفينا التوصية الرئيسية للمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها «ECDC» في هذا الشأن، والتي لم تجد آذاناً صاغية في لبنان: «هناك إجماع عام على ضرورة اللجوء إلى قرار إقفال المدارس للسيطرة على جائحة كورونا كملاذ أخير. ومن المرجّح أن يكون التأثير السلبي الجسدي والعقلي والتعليمي لإقفال المدارس الاستباقي على الأطفال، فضلاً عن الأثر الاقتصادي على المجتمع على نطاق أوسع، أكبر من فوائد الإقفال» (9).

سعد عمر عميص - الاخبار