fbpx
يوليو 24, 2024 6:29 م
Search
Close this search box.

بو حبيب: وقف الانهيار يبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية

كرسي رئاسة الجمهورية

شارك وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال الدكتور عبدالله بوحبيب في اللقاء الحواري مع جمعية متخرجي المقاصد الإسلامية في بيروت حول “سياسة لبنان الخارجية بين الواقع والمرتجى”، الذي عقد مساء اليوم، في مركز الجمعية في الصنائع.

وقال بوحبيب: “تحيّة من القلب للمقاصد المتجذرة في عاصمتنا بيروت، منارة الشرق ونموذج العيش المشترك. فهذه المؤسسة العريقة حملت الإعتدال لواء وشكلت بمسيرتها نقيضا للتطرف والتعصب الأعمى. كما تميزت بدفاعها عن المرأة، فاحتضنت قضيتها ورسالتها السامية بتربية الأجيال وصناعة المستقبل”.

أضاف: “أتيت إليكم اليوم لأتحدث عن سياسة لبنان الخارجية. أجدنا نعيش وسط صفائح سياسيّة دولية وإقليمية متصارعة ومتناحرة تنعكس علينا وعلى سياستنا الخارجية والداخلية. إن فهمنا لطبيعة الصراعات والمنافسات الدولية والإقليمية قد يساعدنا على فهم الممكن وغير الممكن في سياسة لبنان الخارجية، وأي لبنان نريده وطنا نهائيا لجميع أبنائه على اختلاف وتنوع ميولهم وطموحاتهم”.

وتابع: “على المسرح الدولي، يعيش عالمنا حالة تحول واضطراب. فبعد ان ثبتت نهاية الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن الماضي الأحادية العالمية، وانهارت الشيوعية وتفككت دولها وانشطرت إلى دويلات، بدأنا نشهد تدريجيا مع بداية القرن الحالي تحرك مركز الثقل الجيو-سياسي من موقعه الحالي فوق منطقة الأطلسي، حيث عصفت الحرب الباردة بين المعسكرين الأميركي والشيوعي وحلفائهما، باتجاه منطقة المحيط الهادئ، حيث المنافسة الأميركية-الغربية مع النفوذ الصيني الآخذ في التشكل والصعود ببطء، ولكن بثبات. ولكي لا تأخذنا مخيلتنا إلى عالم متعدد الأقطاب في المدى المنظور، فإن دروس التاريخ علمتنا أن التحولات السياسية الكبرى، وتكوين نظام عالمي جديد يكون نتيجة صدامات واحتكاكات”.

واردف: “إن الحربين العالميتين الأولى والثانية، خير دليل على ذلك. لذلك، من المبكر القفز إلى استنتاجات متسرعة حول طبيعة وتشكل نظام عالمي جديد، لا نعلم ولا نعرف طبيعته ونتائجه وتغيراته لغاية الآن، ولكن مما لا شك فيه بأن الحرب الأوكرانية زادت من تصدع النظام العالمي الحالي وأنتجت أزمتي الأمن الغذائي والطاقة، وتضخما عالميا في الأسعار، مما يهدد تعافي الاقتصاد العالمي”.

وتابع: “كما أنهكت عالمنا جائحة كورونا. وأثبت كل ذلك بما لا يقبل الشك أنه في ظل العولمة، تشكّل الأحداث والتطوّرات الخارجية والداخلية وجهين لعملة واحدة، تتأثران وتؤثران ببعضهما البعض”.

وسأل: “أين لبنان من كل هذه التطورات؟ وكيف تعامل مع هذه الأحداث والتغييرات؟”، وقال: “رغم كل التحديات الداخلية، أخذ لبنان موقفا متميزا في بداية الحرب الأوكرانية عبر فيه عن قيمه. وانطلاقا من تاريخه المرير مع الاحتلال والغزو، أدان لبنان بوضوح وصراحة العدوان، ليس من باب العداء لروسيا التي تربطنا بها علاقة صداقة تاريخية، بل كان موقفا مبدئيا بسبب ما عاناه من احتلال اسرائيلي متكرر، ووجود جيوش أجنبية على أرضه برضى بعض أبنائه، ورغما عن إرادة بعضهم الآخر”.

أضاف: “وكما سجل العالم للبنان وقوفه الصريح ضد غزو الكويت عام 1990، كذلك استطعنا أن نسجل موقفا تاريخيا متميزا عن كل محيطنا، حيث كنا السباقين في موقف سياسي لا لبس فيه، بعدم اللجوء الى الوسائل العسكرية لحل النزاعات السياسية الواجب معالجتها بالحوار والطرق الديبلوماسية. وفي الإطار نفسه، عندما بدأنا نشعر بأن هناك توجها لعزل روسيا دوليا وطردها أو تعليق عضويتها في المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة، بادرنا إلى اقتراح عدم تسييس عمل المنظمات الدولية والإقليمية. وتلقف أشقاؤنا العرب هذا الاقتراح، وصدرت بموجبه توصية عربية جامعة بهذا الشأن، استعنا بها أيضا لتسجيل موقفنا المبدئي الرافض للعزل والاقصاء، والداعي للحوار لإيجاد المخارج المشرفة”.

وتابع: “تجربة الماضي، بعزل المانيا بعد الحرب العالمية الاولى أدت الى فشل عصبة الأمم في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، مما عَبَد الطريق وساهم في تراكم المشاكل، وصولا إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من ويلات”.

وقال: “من العالم، ندخل إلى المسرح الإقليمي الذي تعصف به اصطفافات مخيفة وتنذر بأشد العواقب، فالصراعات المفتوحة في الإقليم تشكل ساحات للتدخلات الأجنبية. إن الحل المستدام لهذه النزاعات يحتم أن يكون صناعة عربية، لا سيما في سوريا، واليمن وليبيا. فلم الشمل مصلحة مشتركة للعرب عموما، ولبنان خصوصا، البلد الذي يتأثر سلبا بتداعيات الوضع العربي المعقد والمشتت في حالته الراهنة. ستبقى فلسطين القضية المركزية ومفتاح الاستقرار في منطقتنا المضطربة. فلا حلول مستدامة، ولا سلام شاملا من دون حل عادل للمأساة الفلسطينينة، فإسرائيل تعيش اليوم لحظاتها الأكثر تطرفا وجموحا، وتمعن في توسيع مستوطناتها. كما تسعى إسرائيل الى صب الزيت على النار لتلعب دور حارس الإقليم، وضابط الأمن”.

أضاف: “لكل هذه التعقيدات في الإقليم آثارها على واقع لبنان السياسي والاقتصادي، والاجتماعي. إن مصلحة لبنان عدم الانسياق الاعمى وراء العداوات المجانية، التي سترتد علينا جميعا خسارة موجعة، عندما يحين زمن التسويات السياسية. ونتوسم خيرا اليوم ببشائر تبريد أحد أخطر الصراعات في الإقليم. لقد رحبنا بالاتفاق السعودي – الإيراني لإعادة إحياء العلاقات الديبلوماسية الثنائية، نظرا إلى ما سيتركه من أثر إيجابي على مجمل العلاقات الاقليمية في المرحلة المقبلة. وعليه، ينعقد الأمل في المساهمة بتعزيز ركائز الاستقرار والأمن في المنطقة، وتوطيد التعاون الإيجابي البناء والمنفعة المتوقعة منه على الجميع”.

وتابع: “على مستوى علاقاتنا العربية، نسعى جاهدين ليكون لبنان حاضرا في قلب العرب وعقلهم، ونعمل جاهدين لحضور عربي فاعل في بلدنا. وقد يقول البعض إن للعودة شروطها وهي معروفة ومعلومة، وترتبط بما يجري في الإقليم. نحن نتفهم وجهة نظرهم، ونأمل أن يصل اللبنانيون جميعا، مؤسسات ومجموعات، إلى رؤية موحدة تساعد على هذه العودة، ومدخلها المبادرة الأخوية الكويتية لوصل ما انقطع، والتي تلقفناها بكل ترحاب ونعمل جاهدين على تطبيق بنودها، لكننا في الوقت نفسه، نلفت انتباه الجميع إلى أن الديموقراطية التوافقية التي ارتضاها اللبنانيون نظاما للحكم، اعترفت بتنوع لبنان ضمن وحدة الكيان، فالقرارات الأساسية في لبنان نتاج توافق داخلي، وهي مرآة لطبيعة نظامنا السياسي، فلا مركزية أو حصرية في الصلاحيات والقرارات لأي جهة بمفردها خارج إطار التشاور والتوافق”.

وأردف: “يقال إن كل السياسات محلية all politics is local، بمعنى أن صناعة السياسة الخارجية مصدرها العوامل الداخلية والمحلية. وهذا ما يدفعنا الى العبور من أوضاع الإقليم المتفجرة الى الكيان المأزوم، فأي سياسة خارجية نريد ولأي لبنان. ولننظر الى أنفسنا بالمرآة، ونعترف بمرارة وصدق أن بلدنا ينهار، وإن لم نسارع جميعا الى انتشاله، فهو يتجه أكثر فأكثر الى التحلل. لقد عانى لبنان منذ منتصف الخمسينات عدة فترات عدم استقرار وحروب. ولعل الاستتثناء الوحيد هو الحقبة الذهبية، منذ عام 1958 ولغاية عام 1968، فلبنان محكوم بموقعه الجغرافي في منطقة ملتهبة حينا، وغير مستقرة حينا آخر، مما ينعكس على أوضاعه الداخلية وعلاقة أبنائه ببعضهم بعضا. ولحل الخلافات الداخلية، يستنجد تاريخيا طرف لبناني بالخارج ضد طرف داخلي آخر لتحقيق مصالحه الضيقة على حساب الوطن، مما يسهم في تصدع البنيان الداخلي. إن منطق الأمور يستحيل فيه أن يتمكن الطرف الداخلي، وهو الأضعف، أن يستعمل قوة خارجية، وهي الأقوى، لتحقيق مصالحه الضيقة على حساب مصالح هذا الطرف الإقليمي أو ذاك. فالخارج لديه مصالحه وأجندته، ولا يعمل كمؤسسة خيرية. لذلك، يبقى المفتاح لحماية لبنان الاتفاق الداخلي على قواسم مشتركة تحصن بلدنا، وتمنع استغلال الخارج لخلافاتنا”.

وقال: “عملت جاهدا، منذ أن تشرفت بتولي حقيبة الخارجية، لإبعاد الوزارة عن التجاذبات السياسية والاصطفافات الداخلية، لأن سياستنا الخارجية، التي تسهم في هندستها هذه الوزارة ويضعها مجلس الوزراء، تكون محصنة وفاعلة بقدر ما نحيطها بإجماع وطني. وفي المقابل، يدب فيها الوهن، وتصبح مجرد وجهة نظر لفريق داخلي، لا تؤخذ على محمل الجد بين الدول والأمم، كلما أقحمناها في زواريب المتاريس السياسية الداخلية. وخير مثال على ذلك، ما أنجزه لبنان في مسألة ترسيم حدوده البحرية. فقد تكاملت وحدة الموقف الرسمي الداخلي، والجهوزية والردع العملاني في جنوب لبنان في دعم المفاوض الرسمي، إضافة إلى الدور الفاعل والنزيه للوسيط الأميركي، في وصول الأمور إلى خواتيمها المرجوة. كما أسهمت وزارة الخارجية بإبداء المشورة حينا، والنصح حينا آخر، ونقل الرسائل والأجواء والانطباعات أحيانا أخرى، مما ساعد على تخطي الصعوبات وتذليل العقبات”.

أضاف: “إن خارطة طريق وقف الانهيار السريع تبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية اليوم قبل غدا. ولعل الشغل الشاغل لجميع اللبنانيين، ومصدر تكهناتهم وتحليلاتهم هوية واسم الرئيس العتيد، ومن هو مرشح هذه الدولة الأجنبية أو العربية. لقد لمست في كل أسفاري الخارجية، ولقاءاتي الداخلية مع كبار الزائرين خلال الأشهر المنصرمة، وقبل وبعد انتهاء الولاية الرئاسية، حرصا وخوفا دوليا على مستقبل لبنان وأهله يفوق أحيانا حرص بعض أهل السياسة على مستقبل بلدنا. أما الملاحظة الثانية التي استوقفتني، فهي أن الدول المؤثرة والمعنية العربية والأجنبية ترفض لتاريخه تبني مرشح معين لرئاسة الجمهورية، تجنبا ربما من هذه الدول لعدم تحمل تبعات هذا الخيار أو ذاك. فالعالم اليوم منشغل بأزماته من الحرب الأوكرانية الى المنافسة الأميركية-الصينية وأزمتي الغذاء والطاقة. ويخطئ من يظن أن الاهتمام الدولي منصب على لبنان، في ظل تزاحم الأولويات والأجندات التي يتخبط بها نظامنا العالمي، فالموقف الحيادي للدول المؤثرة، من دعم مرشح على حساب مرشح آخر، عبر عنه بصراحة اللقاء الخماسي في باريس مؤخرا، وتبلغناه رسميا من سفراء الدول المعنية”.

وتابع: “إضافة إلى الفراغ الرئاسي القاتل، لبنان مهدد اليوم تهديدا وجوديا آخر يصيبه مقتلا، ويضرب صيغته القائمة على شعور جميع أبنائه بغض النظر عن انتماءاتهم، بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، بخلاف دول أخرى حول العالم لا تشعر فيها الأقلية، مسيحية كانت أم إسلامية، بالمساواة مع الأكثرية الموجودة في هذه الدول”.

وأردف: “لبنان اليوم، مجمع على أنه حان الوقت لوضع خارطة طريق لعودة آمنة وكريمة للنازحين السوريين إلى ديارهم، بالتعاون مع المجتمع الدولي، أي الدول التي تمول المنظمات الدولية والأهلية العاملة مع النازحين السوريين، لأننا لم نعد قادرين، في ظل أقصى أزمة اقتصادية نواجهها في تاريخنا الحديث، على انتظار الحل السياسي في سوريا لبدء العودة الآمنة للاجئين إلى ديارهم. وتزداد مخاوفنا بعدما تبين لنا أن المجتمع الدولي، ليست لديه خطة متكاملة أو رؤية توفر حلا سريعا للأزمة السورية، وذلك قد يحول الدعم المستمر لبقاء النازحين في لبنان، إلى مشروع مماثل لمنظمة “الأونروا” التي تساعد اللاجئين الفلسطينيين منذ 75 عاما، وتصارع لتأمين الموارد الشحيحة للقيام بعملها”.

وقال: “إن موضوع اللجوء يتخطى البعد المادي على أهميته، ليطال جوهر الرسالة اللبنانية في تنوعها ومساواتها بين مكوناتها. فلبنان نقيض الأحادية، وعندما تطغى فئة منه أو طائفة على غيرها، يفقد علة وجوده. فلكل هذه الأسباب، يوجد اليوم اجماع لبناني على عدم دفن رأسنا في الرمال وضرورة البدء بحل هذه الأزمة”.

أضاف: “لقد ساهمت مروحة الاتصالات الدولية وإدراج هذا البند على أعلى سلم اهتمامات سياستنا الخارجية، خلال كل لقاءاتنا الخارجية والداخلية، في تفهم العديد من الدول لهواجسنا وتعاطفها مع موقفنا، وصولا إلى تطابق نظرة البعض منها مع نظرتنا. فسياستنا في هذا الملف الدقيق والحساس تعكس وحدتنا واجماعنا الوطني، وهي إن لم تصل لتاريخه الى أهدافها المرجوة، لكنها حتما فتحت كوة في جدار الرفض الدولي لإعادة النازحين بكرامة وأمان إلى ديارهم، فالسياسة الخارجية عمل دؤوب تراكمي، تتقاطع فيه الفكرة والنظرة الصائبة مع اللحظة المناسبة”.

وتابع: “في الخلاصة، نعيش في عالم مضطرب ومتحول وفي إقليم يتزلزل جغرافيا وسياسيا. عالمنا اليوم غارق في انشغالاته وهمومه العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهل نصحو قبل أن تجرفنا التطورات المتسارعة ونسارع إلى انتشال لبنان بوفاقنا الداخلي من مأزقنا، ثم نطلب مساعدة الدول العربية منها والأجنبية الصديقة الراغبة في دعمنا إذا دعمنا أنفسنا، أم نبقى ننتظر الحلول الخارجية التي قد لا تظهر تباشيرها في المدى المنظور. وفي حال ظهرت، قد لا تنعكس علينا في المدى المنظور”.

وأردف: “بقدر تمسكنا بأهمية ورسالة وطننا، وإيماننا بغنى موارده البشرية تاريخيا والطبيعية حديثا، نعلم علم اليقين أن لبنان قادر على النهوض من جديد، إذا نجحنا بالخروج من عباءة المصالح والسياسيات الضيقة الى رحاب المصلحة الوطنية الجامعة، والسياسة الخارجية الفعالة، وركيزتها وحدتنا في إطار تنوعنا”.

وختم: “أثبتت التجارب أنّه كلما خرجنا من إطار سياستنا المبعثرة، إلى سياستنا الخارجية الواحدة المبنية على قيمنا ومصالحنا الوطنية، صعدنا من القعر إلى رحاب سماء طاقاتنا، وقدراتنا اللامتناهية على صناعة مستقبلنا المشرق بأيدينا وسواعدنا”.

اقرأ أيضا