fbpx
أبريل 16, 2024 1:28 م
Search
Close this search box.

مافيات مواد البناء وتزوير تقارير المختبرات: مبانٍ إضافية ستنهار

إنهارَ ما لا يقلّ عن 3 مبانٍ خلال نحو أسبوع، ناهيك عن عدد من جدران الدعم على جوانب الطرقات في أكثر من منطقة لبنانية. تكاملت مشاهد انهيار الأبنية مع ما سجّلته بعض الطرقات من انهيارات سرَّعَتها غزارة الأمطار، والتي استندَ إليها الكثير من أصحاب المسؤوليات السياسية، لتحميل الطبيعة خطيئة ما يحصل.
لكن في الواقع، هناك صورة مغايرة، تدخل في ثناياها “الشطارة” اللبنانية، التي تتجلّى في تمرير المخالفات والتغطية عليها وفقاً لتسلسل المسؤوليات، وصولاً إلى رقابة الدولة، “وكل شيء بثمنه”. ولأن الفساد يتضخَّم تباعاً مدعوماً من عدم رغبة السياسيين بإخراج البلاد من أزمتها، يبقى “أكثر من 15 ألف مبنى مهدداً بالانهيار. والعدد إلى ارتفاع بمرور الزمن واستهلاك المزيد من المباني القديمة من دون ترميمها”، وفق نقابة المالكين. فما هو طريق الفساد في هذا المسار، وكيف يمكن محاربته أو التخفيف من انعكاساته؟.

أسباب بنيوية لانهيار المباني
تنشأ المباني بقواعد هندسية يفترض أن تكون صارمة ولا مجال فيها للتلاعب بمواد البناء، خصوصاً لجهة عددها ونوعيّتها وجودتها. وغضّ البصر عن تلك القواعد، يعرِّض المباني وسكّانها للموت أو التشرّد، وتحمّل تكاليف إضافية لسكن آخر وللأكل والشرب… والمزيد.

تنطلق تلك القواعد علمياً، من “متانة التربة وقوّة احتمالها. وهي تشكل محوراً أساسياً في عملية البناء، فإذا تحركت الأرض تحت البناء وأساساته فَقَدَ توازنه وسقط”، وفق ما يؤكّده رئيس الجمعية اللبنانية للتخفيف من أضرار الزلازل، راشد سركيس، وهو مكلّف بالتدقيق حول أسباب انهيار الأبنية التي سقطت تباعاً في الأيام الماضية.
بعد التأكّد من قوّة التربة، وبحسب ما يقوله سركيس في حديثه لـ”المدن”، يأتي دور التأكّد من “الباطون والخرسانة المصبوبة. فالخرسانة مكوَّنة من عدّة مواد ولكل منها أهميته القصوى. ولأجل ذلك، صار فحص الباطون ومواده المكوِّنة له، قبل وخلال عمليات الصبّ، أمراً جوهرياً ومتلازماً مع العمل المتكامل والسليم”.
ويلعب الحديد دوراً أساسياً في تكوين خرسانة اسمنتية سليمة. لكن سركيس يشير إلى أنه “عرفنا في سنوات خلت، أن حديداً غير مطابق للمعايير تم استخدامه في السوق، وكانت تشوبه شوائب عديدة، لا سيما بالنسبة إلى الليونة والكفاء في التناغم مع الباطون لتكوين خرسانة مسلّحة سليمة ضمن القياسات والمسافات والقواعد المعتمد في علم الهندسة الإنشائية”.
ولمزج مواد البناء والحصول على الإسمنت، يحذّر سركيس من استعمال المياه المالحة في عملية المزج وصبّ الباطون “وهو حال الكثير من الأبنية المشيّدة في بيروت والمناطق. وهو مرضٌ لا يمكن معالجته إلا بحلول جذرية”.

مافيات تساهم بتكبير الأزمة
كل عنصر من عناصر عملية البناء، يمكن اختراقه في لبنان وفق منطق “الشطارة” لتحقيق المزيد من الأرباح، وإن على حساب السلامة العامة. فالتربة لا يتم احترام متانتها أو ليونتها، ولا تُبنى مسارات خاصة لتصريف المياه كي لا تمتصّها التربة وتتسرّب تحت المباني فتزيد ليونة التربة أو تقلّص من صلابتها، ما يجعل المباني عرضة للميلان والسقوط.

على مستوى الحديد، يؤكّد أحد تجّار مواد البناء ما يقوله سركيس. فالحديد غير المطابق للمواصفات “يُباع في السوق بأقل من سعر الحديد المطابق بنحو 70 دولاراً للطن الواحد. وهو سعر جيّد بالنسبة لمن يفضّل الربح على سلامة البناء”، يقول التاجر في حديث لـ”المدن”. وإلى جانب الحديد، تساهم بعض مجابل الباطون بتهديد سلامة الأبنية “من خلال استخدام رمل بجودة منخفضة وفيه الكثير من الشوائب والوحول والأعشاب، ما يخفّف من تماسكه مع الإسمنت. وبالتأكيد ليس هناك مَن يراقب جودة الرمل ولا جودة الإسمنت المستعمل لصنع الباطون”.
لضمان الجودة، يلجأ بعض أصحاب المشاريع السكنية، أو الأفراد الذين يرغبون ببناء منزل خاص، إلى مختبرات خاصة لفحص جودة الباطون وقدرة تحمّله للضغط وعوامل الطبيعة. لكن مع ذلك “لا يمكن الوثوق بنتائج جميع المختبرات. فمصالحها متداخلة مع أصحاب المشاريع، وخصوصاً من أصحاب رؤوس الأموال وبعض متعهّدي البناء والمقاولات”. ويلفت التاجر النظر إلى أن “التدعيم السيّىء للحفريات المحيطة بالمباني، يلعب دوراً في إضعاف قدرتها على الاحتمال، ويسرِّع تجميع مياه الأمطار تحت أرضية المباني، ويسهّل اختلالها وسقوطها”.
يسارع التاجر إلى وصف الكثير من المؤسسات المعنية بإنتاج وتوزيع الباطون ومستلزمات البناء، وبعض المتعهّدين، بأنّهم “مافيات تتكاتف لقتل الناس. فلا يمكن تسمية ما يفعلونه إلاّ القتل المتعمَّد، لأنهم يدركون نتائج التلاعب بمواصفات مواد البناء وعدم إعداد الأرضية الصالحة للبناء”.

الصيانة ضرورية
كقاعدة عامة، إن الالتزام بالمعايير الهندسية المطلوبة لتشييد المباني، يحمي من الانهيارات ونتائجها الكارثية “حتى ولو حصل زلزال. فالمقاييس الضابطة للسلامة العامة، تفترض أولوية حماية الناس ومن ثم الممتلكات. ولا تسمح هذه المعايير للمبنى بالانهيار، بل تجعله يتحمّل كل العوامل حتى انتهاء الحدث، ومن ثمّ يتم إعداد تقرير حول صلاحية المبنى الذي تعرّض للضرر، وما إلى كان قابلاً للترميم أو الهدم”. لكن لا تنتهي القضية عند هذا الحدّ، فبنظر سركيس “إن كانت السيارة التي نستخدمها في تحرّكاتنا اليومية تتطلّب معاينة ميكانيكية سنوية، فكم بالحريّ بالمباني التي نعيش فيها؟. ولذلك، فرضت المادة 18 من القانون رقم 646/2004، على المالكين السهر على نظافة ومتانة أبنيتهم وتوفير كل شروط ومعايير السلامة فيها”.

والحرص على النظافة والمتانة هو في الوقت نفسه فِعْلُ صيانة دورية أساسية، لأن “البناء الذي يقطنه أي مواطن، ليس ثابتاً بل متحركاً، وهذه الحركة بطيئة إلى بطيئة جداً، إنما ليست معدومة. وكل مبنى يتحرّك بسرعة مختلفة عن الآخر وذلك وفقاً للظروف كالتربة والمناخ والحرارة وتغيّراتها بين الفصول وبين الليل والنهار… وغيرها، وهذه العوامل تسمح بوجود تفسّخات بقياسات مختلفة منها ما هو مقبول هندسياً ومنها ما يشير إلى مشكلة ما في البناء. فكل تشقّق أو تفسّخ يلحظه أحدهم يجب أن يكون موضع مراقبة، وإذا تطوّر الوضع، يجب استشارة مهندس إنشائي متخصص”.
ولذلك، يجزم سركيس أنه “لا يمكن الوثوق بحالةٍ ثابتة بالمطلق، بل يجب التأكد حسب وتيرة معينة من متانة البناء (كل ثلاثة أو خمس سنوات) والسهر على الحفاظ على نظافته وتفقّد أجزائه ومراقبة التفسّخات والتشقّقات التي تحصل، ومتابعة الأمر بجدية والتعامل معها على قدر كبير من المسؤولية وعدم التهاون في التصرّف المباشر حال بروز مشكلة ما”.

تطغى الأرباح على الجودة المكفولة بالقانون الذي لا تطبّقه الجهات الرقابية، وذلك نتيجة دخول متنفِّذين مدعومين سياسياً، على خطّ إنتاج مستلزمات البناء، من الكسّارات إلى معامل الإسمنت ومجابل الباطون وغير ذلك. وبالتالي، لا يمكن التعويل على خطوات إجرائية تقلّص احتمالات سقوط المزيد من الأبنية، خصوصاً في المناطق الفقيرة التي لا قدرة فيها للأفراد على إجراء الصيانة المطلوبة لحماية المباني وإطالة عمرها الافتراضي.

خضر حسان -المدن

اقرأ أيضا