fbpx
يونيو 18, 2024 7:25 م
Search
Close this search box.

مراسم عزاء “درجة أولى” وأخرى بالاستدانة!

تستقبلك الربابة بألحانها الحزينة مع صوت رادود حنون في صالة واسعة، قبل أن تبدأ المراسم بفرقة موسيقية تتقدّم الجمهور وخيل مسروج للخيالة، ولا تنتهي بوليمة فخمة تجود فيها بما لذّ وطاب من اللحوم والدجاج والأرز، كلّ هذه المشاهد موثّقة بالفيديوات التي التقطتها الكاميرات الموزّعة في أكثر من مكان، لنشرها لاحقاً على مواقع التواصل الاجتماعي… والإعلان عن إتمام مراسم أقيمت لأحد الوجهاء في بلدته.

غير بعيد عن هذه الصالة، كانت تُقام مراسم عزاء أخرى ومختلفة تماماً، انتهت بدردشة بين سيدتين: «معقول مش عاملين غدا؟ ولَوْ؟ أربعة شباب مش قادرين يعملو غدا؟!»، فتجيبها السيدة المعنية بالمناسبة: «أفضل من أن نقع تحت الديون كما حصل معكم… كرمى الوجاهة».
لم تعد الاستدانة لإتمام مراسم العزاء أمراً مستغرباً. ولكلّ تبريره، إذ يعترف أحد الأشخاص، الذي فقد زوجته، أنه استدان لكي يولم عن روح فقيدته «كرمال ما تحكي عليّ العالم»، وكلّفته مراسم العزاء ثلاثة آلاف دولار، في حين أنه مزارع يقتات مما تنتجه أرضه، ولا تتعدى إنتاجيته في أحسن الأحوال الخمسين دولاراً شهرياً. شخص آخر وجد حلاً للمشكلة من خلال التبرّعات، فيجيب رداً على سؤال عن قيمة ما تكبّده في عزاء والده: «الله يسّرها، عدة أشخاص تبرّعوا بذبائح، والبعض الآخر بالمال».

تختصر هذه المشاهد واقع الحال في كثير من القرى اللبنانية، وتظهر الفروقات جليّة من ناحية التكاليف بين الميسور وغيره، فقد بات من المتعارف عليه في تقديم واجب العزاء أن يقوم أهل الفقيد بواجبات لم تكن ضمن منظومة العادات سابقاً، بل أصبحت ضريبة يجب أداؤها.

العونة
على مرّ السنين، كان أبناء القرية أو العائلة الواحدة يجتمعون للتخفيف عن أهل الفقيد، وتقديم «العَوْنة» (المساعدة) من خلال تجهيز الولائم والمشاركة في دفع التكاليف لإزاحة عبء كبير عن الأهل. كانت النخوة والكرم والجود هي الطاغية عند كلّ مفترق، سواء أكان محزناً أم مفرحاً. حتى إن مفتي الهرمل العلّامة الراحل الشيخ موسى شرارة، الذي أقام في منطقة الهرمل، فرض تقديم الطعام والشراب لأهل الفقيد لمدة ثلاثة أيام من قبل الجيران والأقارب. ولكن مع وفاته، أواخر التسعينيات، بدأ يخفّ التضامن وزادت حدة العادات المستجدّة التي لا ترحم الفاقد، بحسب أحد مشايخ المنطقة، فأصبح لزاماً على الأهل تقديم واجب الضيافة أثناء العزاء على نفقتهم الشخصية، خوفاً من أن يوصموا بـ«البخل» أو التبخيس من قيمة المُتوفى، التي باتت تقاس في نظرهم بكمية الأموال التي صُرفت في عزائه.

الكلفة
بحسبة صغيرة، إذا أردنا معرفة مجمل التكاليف التي يتكبّدها عاتق أهل الفقيد، فهي تتجاوز الـ1500 دولار، إذا ما اقتصرت فقط على الضروريات، مثل القهوة المرّة والمعمول. أما لوازم الدفن وشراء القبر فتُكلّف ما لا يقلّ عن الـ3 آلاف دولار بحسب مكان الدفن مثل المدن، بينما تخصّص بعض القرى جزءاً من أراضي الوقف مدافنَ مجانية. أما إقامة الوليمة فتكلّف مبلغاً مالياً أيضاً، إذا اعتبرنا أن غداء شخص واحد يكلّف على الأقل 10 دولارات، فإنّ حضور نحو 300 شخص يكلف تقريباً 3 آلاف دولار. وإذا أضفنا أيضاً كلفة الرثاء والمؤانسة وغيرهما فإن الأرقام تبلغ مجتمعةً ما يقارب الثمانية آلاف دولار تقريباً.

لكن في ظلّ الوضع الاقتصادي المتردّي، بات لزاماً محاولة إعادة صياغة عقد جديد، يمكن من خلاله التخفيف من الأعباء عن كاهل المواطن، لكي لا تصبح مراسم العزاء لمن استطاع إليها سبيلاً. لذا حاول بعض المشايخ في البقاع حثّ المواطنين على وقف الولائم، والتقليل من أيام العزاء إلى ثلاثة أيام وإقامة أسبوع فقط، بعدما كانت تمتد إلى حدود الثلاثة أسابيع، كما فعلت العديد من المناطق.

وكان من ضمن هذه المبادرات، ما أطلقه مدير «جمعية القرآن الكريم» في البقاع الشمالي وإمام مسجد الإمام المهدي في الهرمل الشيخ طلال المسمار قبل أشهر، بخصوص هذا الموضوع. يوضح فكرته لـ«الأخبار» بالقول إنها «كانت مطروحة منذ عشر سنوات وكان يتحدّث بها دوماً، ولكن مع اشتداد حدّة الأزمة أصدر بياناً بشكل منفرد، معتبراً أن الغالبية مؤيّدة لهذه الفكرة». وينقل المسمار عن بعض أبناء العائلات الذين رحّبوا بفكرته هذه بأنهم باتوا يواجهون عائلاتهم قائلين: «نريد أن نلغي الغداء ونساعد بقيمته الفقراء والمحتاجين، بحيث يتم توزيع طعام لمدة ثلاثة أيام عن روح الفقيد». كما يذكر أن شخصاً قال له أثناء مراسم عقد قرانه: «قرأت بيانك وسررت كثيراً، منذ سنتين وأنا أسدّد الديون المترتّبة علينا من عزاء الوالد…».
في المقابل تلقّى المسمار انتقادات من البعض، رغم وجعهم، معتبرين أن مبادرته تخالف العادات التي تتّسم بها المنطقة: «الميت عزيز علينا ويجب أن نودّعه بقيمة واحترام…»، حتى إن بعض المؤيدين للفكرة لم يستطيعوا مواجهة العشيرة التي فرضت إقامة وليمة في اليومين الأول والثالث، مع المعرفة المسبقة بعدم قدرة صاحب العزاء…
يطمح المسمار إلى أبعد من ذلك، من خلال دعوته إلى التخفيف من عدد ساعات التعزية خلال المآتم، «غالباً ما يكون أهل الفقيد مجبرين على فتح منازلهم أو مكان العزاء من الساعة السادسة صباحاً حتى الثامنة مساءً، مع ما يسبّبه ذلك من إنهاك لهم، عدا التكاليف الإضافية وخصوصاً في فصل الشتاء، لأن تأمين التدفئة لوقت طويل يُعدّ كلفة باهظة أيضاً، وهذا لا يمتّ إلى الرحمة والإنسانية بصلة». كما «تمّ تأليف لجنة تنقّلت من عزاء إلى آخر للدعوة إلى وقف عادة توزيع الدخان خلال العزاء أيضاً، وقد تمّ إلغاء الفكرة». كما يذكّر المسمار بقاعدة شرعية هي «كراهية إعداد الطعام للضيوف أول ثلاثة أيام من قبل أهل الفقيد، في حين يستحبّ ذلك من قبل الجيران والأقارب وتقديمه إلى أهل العزاء».

لطالما كان من ضمن الأهداف الأساسية للدين، جعل الأمور أكثر يُسراً للأفراد، بحيث أصبحنا بأمسّ الحاجة في أيامنا هذه إلى مثل هذه المبادرات، لتخفّف عبئاً كبيراً عن المواطن… وتبقى حرية الاختيار للميسورين.

أماني المقهور – الأخبار

اقرأ أيضا