fbpx
مايو 18, 2024 8:38 م
Search
Close this search box.

موسم الصيد بالديناميت

فيما ينتظر قسم كبير من الشعب اللبناني والمتابعين والمهتمين نتائج أو انعكاسات الاتفاق الذي شهدته العاصمة الصينية بكين، بين المملكة العربية السعودية وإيران على لبنان، من الناحية السياسية وعلى وجه الخصوص على استحقاق انتخاب رئيس جديد للبنان، يستمر التدهور المالي والنقدي والاقتصادي في التصاعد بشكل جنوني، بعد أن تخطى سعر الدولار الأميركي الواحد المئة الف ليرة، محدثاً فجوات وصدمات وانهيارات كبيرة في مداخيل الشعب اللبناني، وتدهوراً واسعاً في مستوى معيشتهم ومختلف أوجه حياتهم بنسب مخيفة وكبيرة جداً، تفوق أي تصور كان ليوضع أو يُقترح.

والأكيد أن التدهور الحاصل يحدث وسيحدث تحولات كبيرة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، يطال كافة أوجه الحياة. وقد تكون التحولات الناتجة عن التدهور الاقتصادي الحالي أقوى من أي تصورات أو افتراضات ممكنة أو متخيلة.

يكفي فقط النظر إلى تنامي ظاهرة الانتحار، التي تكررت أخبارها في المدة الأخيرة، لكي تطلق إنذاراً خطيراً باتجاه الانتباه والتنبه إلى تنامي هذه الظاهرة، وإن كانت الدراسات والإحصاءات العلمية لم تخرج بعد بنتائج محددة. لكن تكرار أخبار الانتحار في المدة الأخيرة يؤشر إلى بداية نمو ظاهرة جديدة وخطيرة في لبنان، ترتبط بشكل مباشر بالتدهور الاقتصادي والنقدي الجاري بسرعة هائلة.

والظاهر أن مؤشرات وأحداث التدهور الاقتصادي والمالي الحاصلة في هذه الفترة لن تكون بسيطة أو عابرة.

سبق أن واجه لبنان فيما مضى مشكلات وأزمات متعددة كبيرة، لكنه مع تقدم وتكرار التسويات نجح في تجاوز أغلبها، وتعويض الخسائر التي لحقت به، ليعود ويقف على رجليه ويستوعب الضربات التي تلقاها.

لكن الخطير في المحنة الحالية أن نتائجها تطال البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية. وهي تحفر عميقاً باتجاه ضرب مختلف عناصر القوة لدى الفئات الاجتماعية كافة، وخصوصاً ما كان يسمى بالطبقة الوسطى، عماد المجتمع اللبناني، إضافة إلى الفقراء الذين ازدادت أعدادهم وتضاعفت.

دمرت الأزمة الحالية أغلب البنية التحتية الصناعية والمهنية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة منها، في لبنان. وهي التي كانت نمت وكبرت خلال قرن من الزمن. إذ أن جولة بسيطة مع تدقيق متعجل، تكشف أن أغلب المهن الصغيرة والمتوسطة التي كانت تشكل عصب الاقتصاد اللبناني، ومصدر رزق وحياة عائلات لبنانية كثيرة، قد سحقت وأقفلت أو اندثرت في لبنان، بفعل الارتفاع الهائل في الكلفة على وجه الخصوص، وتراجع المداخيل بالترافق مع انعدام التيار الكهربائي لتحريك عجلة الإنتاج والعمل، إضافة إلى ارتفاع أكلاف التنقل ونقل السلع أو البضائع.

نقطة الخطر الفعلية والأكثر أهمية، تكمن أولاً في ضعف وتدهور صحة اللبنانيين. إذ أن العناية الصحية المطلوبة في صحة الأجيال الجديدة تتراجع بشكل كبير، نتيجة ارتفاع أكلاف الطبابة والأدوية واللقاحات الحامية من الأمراض والأوبئة. وبالتالي، فإن لبنان مقبل على انتاج أجيال ضعيفة وهزيلة صحياً، أضف إلى ارتفاع أكلاف التغذية العائلية، حيث تضطر عائلات كثيرة إلى الاقتصاد والتوفير بشكل كبير وغير مسبوق، عما كانت تعيشه وتأكله سابقاً أو تضعه على موائدها، وصولاً إلى ظهور مقاطع مسرحية فكاهية باتت تناجي “المنقوشة بزعتر”، وتتغزل بسندويشات اللحمة النادرة، المرتفعة الثمن.

مقابل ذلك، فقد بينت إحصاءات متعددة نشرت مؤخراً عن تراجع عدد عقود الزواج مقابل ارتفاع نسب الطلاق. بمعنى آخر، فإن العائلة اللبنانية تتراجع، إضافة إلى تراجع مستوى العناية الصحية، بسبب ارتفاع كلفتها بشكل كبير بلغ 300% السنة الماضية. وهو ارتفاع ماض في التقدم أكثر بعد الانهيار الكبير في سعر الليرة مقابل الدولار، تعجز خلاله العائلات اللبنانية عن تأمين أكلاف التغطية الصحية التي باتت أغلبها بالدولار، كباقي السلع والخدمات المقدمة.

عملياً، يقف لبنان على مفترق بالغ الحساسية والخطورة. الصحة النفسية في تدهور كبير لدى مختلف المستويات، وسط تراجع على المستوى الصحي لدى الجيل المقبل. إلا أن النقطة الأخرى الحساسة تكمن في أن استمرار التدهور الحالي يقفل الأبواب على تراجع في المستوى التعليمي والتربوي. وهو المؤشر الذي كان يعتبر ثروة لبنان الكبرى أو إحدى ميزاته التفاضلية. فحتى اليوم، وقد بلغنا الشهر الثالث، والعام الدراسي لم ينطلق في المدارس الرسمية، التي يشكل طلابها أغلب طلاب لبنان، أضف إلى تعطل الجامعة اللبنانية وتراجع ميزانيتها ومداخيل الأساتذة فيها بشكل كبير.

حراجة الأوضاع الراهنة باتت تطال أغلب أوجه حياة اللبنانيين، فإضافة إلى ضياع أموالهم وودائعهم في المصارف، التي تبخرت بسبب تصرفات وسياسات الدولة في أكبر عملية افلاس واحتيال “بونزي” معاصر، فإن التدمير يلحق المستويات الصحية والتربوية والاقتصادية.
وإذا كان الشعب اللبناني قادر في المراحل السابقة على إنتاج نخبة متخصصة ومتقدمة في أغلب الاختصاصات، نتيجة المستوى الصحي والتربوي المتقدم، فإن هذه النتائج باتت معرضة للشك والخطر، ولم يعد بالإمكان توقع نموها ولا التعويل عليها في لبنان مستقبلاً، أو اعتبار أنها ستشكل نقطة تفاضلية مميزة.

في قوانين الصيد البحري يمنع الصيد بالديناميت، لأن هذه الوسيلة تقتل كل أنواع السمك، وعلى وجه الخصوص الحديث الولادة والصغير في العمر والموجود في البيوض، أي أنها تقتل السمك الحالي والجيل المقبل وتمنع التكاثر، وتدمر البيئة البحرية. والظاهر في لبنان راهناً أن الموسم هو موسم الصيد بالديناميت، لكي لا يأتي جيل مقبل أو يبقى أحد قادر على العيش في لبنان، سوى قلة متصارعة متحكمة وحاكمة.

عارف العبد – المدن

اقرأ أيضا