من المسؤول عن أزمة المجاعة العالمية؟

من المسؤول عن أزمة المجاعة العالمية؟

عند الإصغاء إلى مواقف كو دونغيو، مدير عام منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة (الفاو)، لن يعرف أحد أن روسيا تقصف المزارع ومخازن الحبوب الأوكرانية، وتفرض حصاراً بحرياً على صادرات الحبوب الأوكرانية، وتُسرّع عموماً أزمة الغذاء العالمية الطارئة التي تجازف بإيصال عشرات ملايين الناس إلى درجة حادة من المجاعة. منذ أن أطلقت روسيا غزوها لأوكرانيا في 24 شباط الماضي، تجنّب كو، المسؤول الزراعي الصيني السابق في الحكومة الصينية، إلقاء اللوم على روسيا، فتكلم بأسلوب مبهم عن تأثير الحرب في أوكرانيا على الإمدادات الغذائية والتزم الصمت حول الحصار الروسي في البحر الأسود، ومنع أوكرانيا من تصدير ملايين أطنان الحبوب إلى السوق العالمي. في الوقت نفسه، كرر كو مخاوف روسيا التي تعتبر القيود الدولية على صادراتها السبب في تفاقم مشكلة ندرة الغذاء.
ليس غريباً أن يلتزم المسؤولون الدوليون الصمت حول مسائل حساسة مثل الحرب والأوضاع الجيوسياسية، فهم يفضّلون تقديم الخدمات بعيداً عن الأضواء. مع ذلك، انزعج صانعو السياسة الأميركيون والأوروبيون من تصريحات مدير عام الفاو الحذرة، فضغطوا عليه للتمثّل بأمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي استنكر الغزو الروسي صراحةً في مناسبات متكررة واعتبره انتهاكاً فاضحاً لميثاق الأمم المتحدة. بنظر الغرب، يُعتبر رد كو على أزمة أوكرانيا اختباراً حاسماً لنزاهة الجيل الجديد من القادة الصينيين في المنظمات الدولية.

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى زيادة ضحايا الجوع الحاد بمعدل 47 مليون شخص في 81 بلداً في حال استمرار الحرب في أوكرانيا. كان العالم يواجه أصلاً مجاعة متزايدة قبل الغزو الروسي، إذ يتحمّل حوالى 276 مليون شخص المجاعة اليوم.

يعتبر الأميركيون وحلفاؤهم الغربيون روسيا المُلامة الأساسية على زيادة أعداد المعرّضين للجوع في الفترة الأخيرة لأن تدخّلها العسكري حرم العالم من إمدادات القمح والحبوب. كذلك، يؤدي حصارها لواحدة من أكبر مصدّري الحبوب ومواد أساسية أخرى، تزامناً مع مهاجمة المزارع الأوكرانية، إلى ارتفاع أسعار الأغذية العالمية في مرحلة تشهد فيها الإمدادات تراجعاً كبيراً أصلاً.

رفضت منظمة الفاو التعليق على موقف كو، لكنها طلبت من صحيفة "فورين بوليسي" التوجه إلى موقع الوكالة الإلكتروني الذي يَصِف أثر الحرب على أوكرانيا، وأرسلت إليها رابط خطاب المدير العام أمام وزراء مالية دول مجموعة العشرين. كرر كو في ذلك الخطاب دعوة أمين عام الأمم المتحدة إلى وقف الصراع في أوكرانيا كونه يُهدد الأمن الغذائي العالمي. لكنه رفض مجدداً انتقاد روسيا.

يتماشى رد الفاو العلني مع تصريحات الصين وروسيا حول أزمة الغذاء العالمية، لكن لا يزال الخبراء منقسمين حول إصرار كو على تحقيق مصالح بلده.

يقول مستشار في منظمة الفاو (رفض الإفصاح عن هويته لأنه لا يملك صلاحية الإدلاء بتصريحات علنية حول رد المنظمة على أزمة أوكرانيا): "تُعارض تصريحات كو العقوبات وتعكس بدرجة كبيرة موقف الحكومة الصينية. لكن تتعدد الحجج التي تدعو إلى إعفاء الأسمدة ومنتجات زراعية أخرى من العقوبات، وتتماشى هذه المواقف مع سياسات الفاو السابقة التي تعارض القيود التجارية. أظن أن الفاو كانت لتطلق المواقف نفسها حتى لو لم يكن المدير العام صينياً".

لكنّ إغفال الفاو عن التحركات الروسية فاضح برأي جو كراوس، مدير قسم الشفافية والمحاسبة في منظمة ONE Campaign المناهضة للفقر. يوضح كراوس: "أفترض أن العقوبات المفروضة على روسيا لم تُحسّن وضع الأمن الغذائي، لكني لا أعتبر هذه المسألة محورية. ثمة أدلة واضحة على استهداف روسيا للمزارعين عمداً. حبذا لو يراجع المسؤولون في المناصب الرسمية هذه الأدلة ولا يترددون في قول الحقيقة حين يتأكدون من إقدام أحد الأطراف على استهداف الإمدادات الغذائية، وبالتالي تجويع عشرات ملايين الناس".

أما كورتني فانغ، أستاذة مساعِدة في جامعة "ماكواري" الأسترالية تدرس دور الصين في المنظمات الدولية، فهي تعتبر حملة الضغوط الأميركية جزءاً من الاختبار الحالي: "من خلال الضغط على مدير الفاو لاستنكار الغزو الروسي علناً، تستكشف إدارة بايدن طريقة عمل الصين في المؤسسات متعددة الأطراف، وهي ساحة أخرى للمنافسة الاستراتيجية. هل يلتزم المسؤولون الصينيون الذين يترأسون وكالات الأمم المتحدة بموقف الصين الذي يعتبر التطورات في أوكرانيا مجرّد "حدث"، أم أنهم ينضمون إلى المجتمع الدولي لاستنكار حرب أوكرانيا وتداعيات الغزو الروسي؟ تُشدد الصين على قيادتها المبنية على حوكمة عالمية تكنوقراطية وغير مسيّسة. من وجهة نظر الحكومة الصينية، لا يمكن أن تنجح منظمة الفاو في معالجة الأزمة الغذائية الناشئة إلا إذا تجنّب كو السياسات العليا وركّز على مهمة مؤسسته التي تتمحور حول هزم الجوع".

يتزامن هذا الخلاف مع تحذير غوتيريش من عواقب الحرب على الساحة الدولية، فهو اعتبر ذلك الصراع سبباً لتفاقم أزمة الغذاء والطاقة والتمويل التي بدأت تنعكس على أضعف الشعوب والدول والاقتصادات في العالم.

يقول غوتيريش: "بدأت الحرب في أوكرانيا، وجائحة كورونا، والتغير المناخي، ونقص التمويل الدولي لمساعدة الدول الفقيرة على تجاوز هذه الأزمات، تنتج بيئة قادرة على تهديد اقتصادات بعض الدول النامية. تتكل 36 دولة على روسيا وأوكرانيا لتلقي أكثر من نصف واردات القمح، بما في ذلك عدد من أفقر وأضعف بلدان العالم".

حاولت روســيا الاستخفاف بتأثير غزوها لأوكرانيا، فاعتبرت أزمة المجاعة العالمية نتاجاً للعقوبـــات الأميركية والصراعات في أفغانستان، سوريا، العراق، اليمن وليبيا.

كتب مبعوث روسيا إلى وكالات الأغذية التابعة للأمم المتحدة، فيكتور فاسيليف، في رسالة بتاريخ 8 نيسان إلى مدير عام الفاو: "الصراع في أوكرانيا هو مجرّد نقطة في بحر الصراعات المتراكمة منذ عشرين سنة".

كذلك، ذكر فاسيليف في بيان إلى مجلس الفاو التنفيذي: "لم يكن تأثير العملية الروسية العسكرية الخاصة في أوكرانيا كبيراً على الإنتاج الزراعي العالمي. تتعلق المشكلة الأساسية بتعطيل النقل الصناعي وقطع السلاسل المالية بعد فرض عقوبات غربية غير قانونية وأحادية الجانب على بلدنا. عملياً، انطلقت حرب اقتصادية واسعة ضد روسيا".

لكن حذرت روسيا، أكبر مُصدّرة للقمح في العالم، من استعمال الغذاء كسلاح حربي، أي منع التصدير إلى الدول الصديقة. في هذا السياق، كتب الرئيس الروسي السابق ومستشار الأمن القومي الحالي، ديمتري مدفيديف، على "تلغرام" حديثاً: "سنرسل الأغذية والمحاصيل إلى أصدقائنا فقط".

لكن نفى متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية الفكرة الروسية القائلة إن العقوبات الغربية تؤجج أزمة الغذاء العالمية، فذكر أن تجارة الأغذية والإمدادات الإنسانية والمنتجات الأساسية مثل الأسمدة معفاة من العقوبات الأميركية.

صرّح المتحدث نفسه لصحيفة "فورين بوليسي" شرط عدم الإفصاح عن هويته: "حرب بوتين الاستفزازية وغير المبررة ضد أوكرانيا هي التي تُعرّض ملايين الناس حول العالم لانعدام الأمن الغذائي. أطلق بوتين حرباً بين بلدَين يُعتبران من أهم مصدّري السلع الزراعية والأسمدة في العالم، فضمن بذلك أن يتأثر أضعف المواطنين بكلفة حملته المتهورة".

تُوفّر أوكرانيا وروسيا حوالى 30% من إمدادات القمح والشعير في العالم، وخِمس كميات الذرة، وأكثر من نصف كميات زيت دوار الشمس، وفق أرقام الأمم المتحدة. في شهر آذار الماضي، كانت أسعار الأغذية العالمية أعلى من السنة الماضية بنسبة 34%. أما أسعار الغاز والأسمدة، فزادت بنسبة تفوق الضعف بحسب معطيات الفاو. تبقى صادرات معظم الأغذية والأسمدة والسلع الأساسية الأخرى معفاة من العقوبات، ما يمنح روسيا فرصة بيع منتجاتها في السوق المفتوح. لكن فرضت روسيا قيوداً خاصة بها على صادرات الأسمدة، ما أدى إلى تضييق الخناق على سوق الأسمدة العالمي الذي يُعتبر محدوداً أصلاً.

لكن أدت العقوبات المالية الغربية وتدابير أخرى مفروضة على روسيا وحليفتها الأساسية بيلاروسيا إلى الحد من الصادرات الغذائية. تعجز بيلاروسيا مثلاً عن شحن السلع عبر بحر البلطيق بسبب قيود التصدير المفروضة على الحكومة في السنة الماضية، علماً أن هذا البلد ينتج حوالى 20% من مادة البوتاس المستعملة في الأسمدة. فُرِضت تلك القيود بعدما أجبرت بيلاروسيا طائرة "رايان إير" على الهبوط في مينسك حيث ألقت الحكومة القبض على ناشط معارِض. كذلك، أدت العقوبات المالية الغربية إلى تفاقم الأزمات الإنسانية في دول أخرى، لا سيما اليمن، فمنعت التجار الدوليين من استيراد المواد الغذائية والوقود والأدوية إلى ذلك البلد الغارق في الصراعات خوفاً من التعرّض للعقوبات.

كانت روسيا قد فرضت الضرائب على تصدير قمحها قبل الحرب، وأدت المخاوف من متابعة العمليات التجارية في منطقة حرب إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين. يقول جوزيف غلوبر، خبير اقتصادي ومسؤول في "المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية": "الصادرات تتابع التحرك لكن بوتيرة أبطأ. أظن أن المساعي بدأت لتقليص أثر العقوبات مع أن جزءاً من التدابير المالية، بما في ذلك إقصاء بعض البنوك الروسية من نظام "سويفت" (منصة للتبادلات المالية)، قد يعيق مسار التجارة مع كيانات صغيرة نسبياً. حين تُشحَن السلع إلى بلد مستورِد أساسي في شمال أفريقيا ويتعامل التجار مع الوزارة مباشرةً، تكون الأطراف المعنية مهمة بما يكفي لإنجاز هذه المعاملات. لكن إذا كانت الصفقة مرتبطة بجهة صغيرة لإنتاج القمح في تركيا، لا مفر من مواجهة المشاكل حول طريقة دفع كلفة ذلك القمح. قد تتجنب منظمة الفاو ووكالات دولية أخرى تبادل التُهَم نظراً إلى دقة الوضع السياسي المحيط بهذا الصراع، لكن لا شيء يثبت أن منظمة الأغذية تنحاز إلى طرف دون سواه".

كولوم لينش - نداء الوطن