العالم
في مخيمات النزوح في شمال شرق نيجيريا التي تضم نحو مليوني شخص هربوا من تمرد حركة بوكو حرام، يتكرر المشهد نفسه مع رجال هزيلين يجلسون على حصائر ويخيطون قبعات تقليدية لمحاربة الملل ونساء يحضرن الطعام في أقدار كبيرة فيما الأطفال يلهون بين الأكواخ المتفرقة.

عليو وأبو بكر ومحمد ومالام الذين تم تغيير أسمائهم، لم يتصورا أن مستقبلهم سيكون على هذا النحو. فهؤلاء المقاتلون السابقون في جماعة بوكو حرام الإسلامية انضموا إلى برنامج إعادة تأهيل للحكومة النيجيرية.
\nلكن بعد سنوات اعتقال خلفت صدمة في نفوسهم في زنزانات قذرة ومكتظة، انتهى بهم المطاف في هذا المخيم من دون مال وعمل بعيدا عن الانطلاقة الجديدة التي وعدتهم بها الحكومة.
\nوباشرت نيجيريا في 2016 عملية "الممر الآمن" (سايف كوريدور) موفرة إمكانية التخلي عن السلاح للراغبين في ذلك. وهي تشن بموازاة ذلك هجمات عسكرية على مقاتلي بوكو حرام والفرع المنشق عنها تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا. وأسفر النزاع عن سقوط أكثر من أربعين ألف قتيل في غضون عشر سنوات.
\nإلا انه لا يتم قبول الجميع في هذا البرنامج. وتدرس ملفات المقاتلين بعناية لاختيار الذين يشكلون تهديدا "ضعيفا" قبل نقلهم إلى مركز في مدينة ملام سيدي في ولاية غومبه في شمال شرق البلاد.
\nوعلى مدى ستة أشهر يتابعون حصصا لمحو الأمية وتدريبا مهنيا ودينيا ويتلقون مساعدة نفسية اجتماعية.
\nوخصصت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ملايين الدولارات لتمويل هذا البرنامج المدعوم من المنظمة الدولية للهرج والذي ينسق بالتعاون مع الجيش النيجري.
\nا ف ب
\nسجناء أُفرج عنهم وسُلموا إلى السلطات النيجيرية بعدما كانوا مسجونين للاشتباه بارتباطهم بجماعة بوكو حرام في مايدوغوري في نيجيريا في 27 تشرين الثاني 2019 ا فب
\n \nويقول مدير البرنامج محمد ماينا إن عملية "الممر الآمن سجلت نجاحات هائلة".
\nويوضح في رد مكتوب وجهه لوكالة فرانس برس مطلع تموز/يوليوم "تم القضاء على التطرف لدى أكثر من 800 مقاتل سابق تائب وأعيد دمجهم في المجتمع بنجاح".
\nوقد يحذو حذوهم آخرون قريبا. فقد أعلن الجيش مطلع آب أنه درس ملفات 335 مقاتلا سلموا انفسهم قبل فترة قصيرة.
\nإلا ان الرجال الأربعة الذين التقتهم وكالة فرانس برس يؤكدون أن مسار الخروج من التطرف بعيد عن الرواية الرسمية. ويروي هؤلاء أنهم اعتقلوا على مدى سنوات من دون ملاحقات وفي ظروف قاسية جدا قبل ان يشملهم برنامج إعادة التأهيل.
\nوالأسوأ من ذلك، يؤكد اثنان منهم أنهما مزارعان لم يتعاونا يوما مع الجهاديين واعتقلا خطأ مع الكثير من المواطنين العاديين الآخرين وبينهم أطفال.
\nويصعب التحقق من مسار كل شخص إلا ان تقارير نشرت في السنوات الأخيرة ولا سيما من وكالة التنمية الأميركية ومنظمة العفو الدولية وثقت مئات الشهادات المشابهة.
\nوفي بيان نشر خلال السنة الجارية ذكرت منظمة الأبحاث "انترناشونال كرايسيس غروب" أن أشخاصا تابعوا البرنامج أكدوا لها أن أكثر من ربع الأشخاص في مركز إعادة التأهيل كانوا عناصر في بوكو حرام فعلا.
\nوقال التقرير "أما الغالبية المتبقية (...) فهم مدنيون فروا من المناطق التي تسيطر عليها بوكو حرام واعتبرتهم السلطات خطأ أنهم جهاديون واعتقلوا قبل ان يُلحقوا ببرنامج +الممر الآمن+".
\nإلا ان الجنرال ماينا ينفي أن يكون حصل ذلك، موضحا أنه "يتم اختيار المقاتلين السابقين بعد درس الملفات وإجراءت حقيق معمق".
\nوأكد مصدر مطلع آخر طلب عدم الكشف عن هويته مرور عشرات المقاتلين السابقين برتبة عالية ومن بينهم قادة في بوكو حرام عبر مركز إعادة التأهيل في غومبه لكن في إطار برنامج آخر.
\n
بائعو مياه في مايدوغوري في نيجيريا في 1 شباط 2021 ا ف ب
\n \nابو بكر البالغ 48 عاما كان يزرع حقله ولا ينقصه شيء إلى أن اجتاحت بوكو حرام بلدته في ولاية بورنو مركز التمرد.
\n \nويقول الرجل الذي لديه ثلاثة أطفال "بعد ذلك بدأت مداخيلي تتراجع لكنهم كانوا يصادرون المحاصيل (..) وحتى الطعام الذين أعده".
\nويضيف "كانوا يراقبوننا (..) كنا عالقون في فخ. لم يكن لدينا خيار آخر فهم كانوا مسلحين".
\nمالام (52 عاما) كان يزرع الذرة البيضاء واللوبياء في بلدة أخرى من ولاية بورنو. وعند وصول الجهاديين إليها أمروا الرجال بارخاء اللحى والنساء بملازمة المنازل ويروي انه عوقب بثمانين جلدة لأنه اشترى سجائر.
\nوقرر المزارعان الفرار مع عائلتيهما.
\nويوضح أبو بكر الذي سمع عبر الإذاعة أن الحكومة تدعو المدنيين إلى ترك المناطق التي تحتلها بوكو حرام. وقال "هربنا تحت جنح الظلام (...) كنا نحو مئة شخص".
\nورغم الخوف من أن يلقي الجهاديون القبض عليهم، لم تكن فكرة البقاء في القرية واردة.
\nويوضح مالام وهو أب لخمسة أطفال "كنا ندرك أنهم سيقتلوننا يوما لأننا لا نقبل بهم".
\nلكن المزارعين أكدا أنهما أوقفا ما إن سيطر الجيش على المنطقة واقتيدا بعد الاشتباه بدعمهما للجهاديين إلى ثكنة جيوا حيث ظروف التوقيف صعبة جدا في مايدوغوري عاصمة بورنو.
\nولم يكن ذلك سوى المحطة ألأولى في فترة أعتقال طويلة.
\n
أطفال يلعبون في مخيم للنازحين في مايدوغوري في نيجيريا في 15 نيسان 2020 ا ف ب
\n \nيفيد أبو بكر ومالام انهما أمضيا في الاعتقال ثمانية أشهر وأربعة أشهر على التوالي.
\n \nويروي مالام قائلا "لم يكن الطعام متوافرا ولا المراحيض كانت الجراثيم منتشرة أينما كان (..) والناس يموتون يوميا".
\nوكان أبو بكر ونجله البالغ 13 عاما معتقلين في زنزانة مع 450 شخصا آخر. ويوضح "كنا مضطرين إلى البقاء واقفين جميعا بسبب اكتظاظ المكان".
\nبعد ذلك فصلا. يقول مالام أنه علم بالافراج عن نجله بعد بضعة أشهر في جيوا، بعد ست سنوات من خروجه من برنامج إعادة التأهيل.
\nفي 2016 اتهمت منظمة العفو الدولية الجيش باعتقال عناصر ومناصرين لبوكو حرام بشكل جماعي "من دون أي دليل" في مواقع عسكرية مثل جيوا.
\nوعلق الناطق باسم الجيش اونيما نواشوكوو بشأن مالام وأبو بكر في تصريح لوكالة فرانس برس "كانا ضالعان بالتأكيد طوعا أو بشكل غير طوعي".
\nوأعتبر الجيش أن أي نشاط يقوم على توفير المؤن والوقود او الأدوية لبوكو حرام حتى تحت الإكراه، يكفي ليصبح الشخص مشبوها.
\nويقول نواشوكوو إن الجيش "لا يوقف الأطفال" إلا ان نساء اعتقلن بعد انضمامهن إلى صفوف بوكو حرام يطلبن أحيانا ان ينضم اطفالهن إليهن.
\nاعتقل المقاتلان السابقان عليو ومحمد أيضا في ثكنة جيوا بعد استسلامهما وهما يحتفظان بذكرى مريرة.
\nويقول محمد "قالوا لنا إننا سنمضي شهرين إلى ثلاثة أشهر في جيوا (..) لكننا بقينا 18 شهرا".
كان عليو في الثامنة عشرة عندما بدأ جار له يحدثه عن "الحكومة الفاسدة" ويعطيه المال ويحدثه عن رؤيته للإسلام. وبدا يسلك عندها "طريق التطرف".
\nوفي احد الأيام غادر قريته والأهل وصولا إلى غابة سامبيسا معقل بوكو حرام الرئيسي.
\nوبعدما تابع دروسا قرآنية وتدرب على استخدام السلاح أصبح عليو البالغ 28 عاما اليوم، مهرب أسلحة ومن ثم مقاتلا يشارك "في هجمات كبيرة".
\nويؤكد "فعلنا ذلك بدافع ديني. كان ذلك واجبنا".
\nكان محمد (25 عاما) طفلا ويتسول في الشارع عندما التقى شخصا حدثه عن محمد يوسف مؤسس بوكو حرام.
\nوقد أصبح هذا الرجل مرشده وارسله إلى مدرسة قرآنية في "الفلوجة" إذ يطلق الجهاديون على مواقع في نيجيريا اسماء عراقية او أفغانية، قبل أن يخوض "الجهاد".
\nويروي محمد وهو أمي "كنت اتشوق لخوض القتال كنت ادرك اننا في حرب ضد الحكومة. وكانوا يقولون لنا أن هذا هو السبيل الصحيح".
\nويقول الرجلان إنهما كانا عنصرين في بوكو حرام لستة أشهر لكن حماسة البدايات تراجعت تدريجيا بسبب سلوك رفاق السلاح.
\nويروي محمد "كانوا يقومون بأشياء من دون سبب (.ز.) قتل وسرقة وهو أمر مخالف لتعاليم الدين. رأيت البعض منهم يتعاطى المخدرات".
\nفي تلك الفترة سمح هجوم مضاد للجيش النيجيري بفضل دعم عسكري من الدول المجاورة كتشاد والكاميرون باستعادة اجزاء من الأراضي التي سيطر عليها المتمردون.
\nوعندما سمع الرجلان ببرنامج "الممي الآمن" وإمكان الحصول على تدريب مهني قررا الإقدام على هذه الخطوة.
\nلكنهما اضطرا للانتظار سنتين تقريبا قبل تمكنهما من الانضمام إلى هذا البرنامج.
\n
جنود نيجيريون يقومون بدورية في نغامبو في 3 تشرين الثاني 2020 ا ف ب
\n \nأقرّ نواشوكوو المتحدث باسم الجيش، بأن العملية "ليست تلقائية" معتبراً أن الأمر يستغرق وقتاً "للتأكد من أنهم فعلاً تخلوا عن القتال".
\nووجّهت الجهات المانحة والشركاء الدوليون انتقادات كثيرة "للتنميط" الذي يهدف أيضاً إلى تحديد المشتبه بهم على نطاق أكبر لإطلاق ملاحقات محتملة.
\nوأشارت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو اس ايد) في تقرير إلى أن ذلك "لا يزال أمرا غامضا طالما أنه بدون إشراف مستقل ولا أرشفة ولا تعريف رسمي لمعايير الاختيار".
\nيقول التائبان محمد وعليو إن معظم زملائهم السجناء لم يكونوا جهاديين.
\nويؤكد عليو "في زنزانتي التي كانت تضمّ 260 شخصاً، كنا 12 عنصراً فعلياً من بوكو حرام".
\nمن جهته، يضيف محمد "هذا ظلم بصراحة" مشيراً إلى أن من بين 300 من رفاقه في السجن "لم يتجاوز عدد عناصر بوكو حرام الفعليين العشرين".
\nلم يتسنّ لوكالة فرانس برس التحقق من هذه الأعداد. يؤكد ماينا، مدير البرنامج، أن عملية التحقق في جيوا "قد تكون غير كاملة، لكنها لا تزال دقيقة جداً".
\nفي مستندات رسمية اطلعت عليها وكالة فرانس برس، تعترف الحكومة النيجيرية بأن بعض "المتعاونين" طوعا أو قسرا مع بوكو حرام هم ضحايا التمرد، لكنها تؤكد أن برنامج "سايف كوريدور" يقدّم لهم "بدائل مستدامة".
\nبعد جيوا، نُقل المزارعان أبو بكر وملام لتمضية المرحلة الثانية من اعتقالهم، إلى سجن مايدوغوري الذي يخضع لحراسة أمنية مشددة، حيث أمضيا ثلاثة أعوام إضافية بدون توجيه التهم إليهما.
\nويقول أبو بكر اليوم "كنت آمل في أن يحميني العسكريون لكن كان الأمر عكس ذلك".
\nوصل عليو ومحمد وأبو بكر وملام أخيراً إلى وجهتهم: مركز إعادة التأهيل في غومبه. خلال عام، تمكنوا من تعلّم القراءة والكتابة والنجارة والتلحيم وحتى التحدث مع أخصائيين اجتماعيين.
\nيروي أبو بكر "كان بامكاننا النوم، كانت لدينا ناموسيات ووسادات".
\nقرأوا نصوصاً تتعارض مع الخطاب الجهادي. ويقرّ المقاتلون السابقون بأن البرنامج بدّل وجهة نظرهم.
\nويؤكد عليو أن "إذا أراد شخص ما اليوم الذهاب للجهاد، سأقول له +اتبع دينك الخاص في منزلك، لا تذهب للقتال+".
\nيشير محمد إلى أن مقاتلي بوكو حرام "خانوا مفهومي للجهاد لخدمة مصالحهم الشخصية".
\nلكن بالنسبة للمزارعين أبو بكر وملام، الوقت الذي أمضياه في مركز التأهيل في غومبه لم يكن سوى فترة اعتقال ممددة إضافية. يعتبر ملام أنه "أُرسلنا إلى هناك لنعاني".
\nما مصير هؤلاء الرجال في نهاية المطاف بعد كل هذه السنوات الماضية التي أمضوها خلف القضبان وفي مركز إعادة التأهيل؟
\n \n
امرأة نيجيرية في شارع في مايدوغوري في شمال شرق نيجيريا في 7 تموز 2017 ا ف ب
\n \nبعدما يعلنون ولاءهم للدولة النيجيرية ويعدون بعدم العودة إلى القتال، يتلقى كل من أولئك الذين كانوا في مركز غومبه بشكل عام 20 ألف نيرة (حوالى 42 يورو) ويُرسلون إلى مركز عبور قبل الإفراج عنهم.
\n \nيوضح نواشوكوو أن هناك "روابط تُقام مع المجتمعات" للتحضير لعودتهم وتُكلّف السلطات المحلية ضمان إعادة دمجهم.
\nعندما التقى ملام زوجته بعد أن أمضى خمسة أعوام في الاعتقال، لاحظ أن الجوع غيّرها كثيراً.
\nويقول "لقد عاشت في مخيم حيث لم يكن هناك طعام (...) توفي والداي وكل أطفالنا يعانون من سوء التغذية".
\nحتى أن المقاتلَين السابقَين عليو ومحمد اللذين يستوفيان شروط المقاتلين القدامى "ذي الخطر المنخفض" وقد مُنحوا عفواً، يشككان في نجاح البرنامج.
\nحالياً يعيشان كالمنبوذين ويجنيان بالكاد يورو واحد في اليوم في مخيم للنازحين، بدون آفاق للمستقبل، وهما موصومان من جانب مجتمعهما.
\nويشير محمد إلى أن المسؤولين عن البرنامج "حدّثونا عن وظائف، لكن في نهاية المطاف، ليس هناك وظيفة". وتساءل "أي نوع حياة نعيش؟ أنا ندام على الاستسلام".
\nفي هذه المنطقة التي يمزّقها النزاع، حيث يعاني 4,3 مليون شخص من انعدام أمن غذائي بحسب الأمم المتحدة، يرى السكان الذين ينقصهم كل شيء بنظرة سيئة، ملايين الدولارات التي استُثمرت لإعادة تأهيل المقاتلين القدامى.
\nتشرح مريم أوييزا التي تدير جمعية تدعم النساء المعنّفات، أن "جهود إعادة الدمج جديرة بالإشادة (...) لكن هناك الكثير من العداء، الناس غاضبون".
\nرغم كل شيء، تأمل الحكومة الفدرالية والجهات المانحة في وقت سُجلت مئات حالات الفرار في الأشهر الأخيرة، في أن يشجّع البرنامج آلاف المتمردين الآخرين على الاستسلام.
\nلذلك، تعتبر مجموعة الأزمات الدولية أنه على السلطات النيجيرية أن تثبت أنها "قادرة على مواكبة المعتقلين حتى يحصلوا على شهاداتهم وإعادة دمجهم في المجتمع بكل أمان".
\nوأضافت "حتى الآن، عملية +الممر الآمن+ لا تزال غير قادرة على تقديم هذا النوع من الضمانات".