Daily Beirut

العالم

عراقجي "عالق" بين" الحرس الثوري الإيراني" والرئاسة.. مَن يتفاوض باسم إيران؟

··قراءة 3 دقائق
عراقجي "عالق" بين" الحرس الثوري الإيراني" والرئاسة.. مَن يتفاوض باسم إيران؟
مشاركة

دفعت تسريبات الساعات الأخيرة قضية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى قلب الصراع داخل طهران، بعدما تحدثت عن سعي الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى إبعاده بسبب اتهامه باتباع توجيهات أحمد وحيدي في مسار التفاوض، من دون تنسيق فعلي مع الرئاسة.

وتضع هذه التسريبات قضية عراقجي في مسار يتجاوز تبديل وزير أو تعديل فريق تفاوضي، بعدما تحرك الرجل في منطقة تتقاطع فيها إدارة الحرب مع تفاوض ما بعد التصعيد وتنافس مراكز القوة داخل النظام، بحسب مراقبين.

توزيع كلفة الحرب داخل السلطة

بينما يكشف الدفع نحو إقالة عراقجي طريقة النظام في إدارة كلفة المواجهات الكبرى، إذ ينقل الضغط إلى شخصيات تنفيذية ظهرت في واجهة القرار، ويفتح عبرها مسار محاسبة محدودًا يضبط الخسارة داخل الطبقة الحاكمة.

بذلك يدخل عراقجي هذا المسار من موقعه في الواجهة الدبلوماسية خلال مرحلة حساسة، ومن طبيعة الاتهام الذي يضرب علاقة وزارة الخارجية بالحرس الثوري مباشرة.

في حين تدفع إزاحته المحتملة النظام إلى توزيع مسؤولية الحرب داخل طبقته الحاكمة، فالرئاسة تريد إبعاد نفسها عن التفويض المفتوح للحرس في التفاوض، والبرلمان يحاول حماية موقعه بعد ارتباك دور قاليباف، والحرس يعمل على تثبيت صورته كقوة ضبط داخل مسار أنهكته الحرب وأربكه التفاوض.

وتتجمع هذه الحسابات حول عراقجي، فيفتح مصيره احتمال سلسلة إبعادات محسوبة وضغط سياسي يهدف إلى إبقاء الخسارة داخل حدود يستطيع النظام احتواءها.

التفاوض تحت سقف الحرس

تكشف الأزمة تصدعًا داخل دائرة الحرب والتفاوض، لأن الخلاف وصل إلى الجهة التي تحدد سقف المواجهة مع واشنطن وتقرر حدود الدخول في الملفات النووية والصاروخية.

وأظهر تقرير مشترك لـ"مشروع التهديدات الحرجة" و"معهد دراسة الحرب" أن وحيدي ودائرته سعيا إلى تقييد سلطة الفريق الذي قاده قاليباف، عبر إدخال محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى مسار التفاوض، وضبط السقف المتصل بالبرنامجين النووي والصاروخي.

وتربط هذه المعطيات أزمة عراقجي بصراع التفويض داخل طهران، فقد واجه قاليباف توبيخًا بعد محاولته إدخال الملف النووي في المحادثات مع واشنطن، ثم تحدثت تقارير عن خروجه من رئاسة الفريق التفاوضي، ما يجعل أزمة عراقجي جزءًا من صراع أوسع على شروط التفاوض وحدود الاقتراب من الملفات التي يضعها الحرس ضمن نطاقه الأمني.

كذلك ترجح الوقائع الأخيرة انتقال مركز الثقل داخل النظام إلى الدائرة الأمنية والعسكرية، فطهران تحتفظ بمؤسساتها السياسية وتدير عبرها الشكل الرسمي للحكم، بينما يتحرك القرار الحاسم عبر الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي والدائرة المحيطة بوحيدي، فتتقلص قدرة الحكومة على ضبط المسار، وتعمل وزارة الخارجية كقناة تفاوض تحت سقف أمني صارم.

ضغط هرمز وصعود القرار الأمني

فيما تزامنت أزمة عراقجي مع ضغط تفاوضي وميداني متصاعد، فقد كان وزير الخارجية حاضرًا في اتصالات عُمان قبل أيام، وناقش أمن مضيق هرمز وجهود إنهاء الحرب، ثم جاءت تسريبات إبعاده فيما واصلت أزمة المضيق رفع كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي وعلى موقع طهران التفاوضي.

هذا التزامن يمنح الخلاف الداخلي وزنه السياسي، إذ يتحرك الصراع حول عراقجي داخل توقيت يضغط فيه الحرب على النظام من الخارج والداخل، وتدفع مراكز القرار إلى تثبيت مواقعها قبل أي مسار جديد مع واشنطن

في حين يتقدم الحكم العسكري المقنّع عبر هذه الآلية، فالحرس يفرض إيقاع القرار بتحديد سقف التفاوض ومراقبة حركة الوزراء وإعادة ضبط الوفود عند تجاوز الحدود الأمنية، وقد نقلت "رويترز" في آذار أن الحرس الثوري شدد قبضته على قرار الحرب ودفع نحو استراتيجية أكثر تشددًا رغم خسارة قادة بارزين، وتأتي أزمة عراقجي امتدادًا مباشرًا لهذا المسار داخل ملف التفاوض.

الفيتو الأمني وحسابات ما بعد الحرب

وتكشف أزمة عراقجي موقع الفيتو داخل النظام من خلال حركة الأطراف حولها، فالرئاسة تسعى إلى ترميم سلطتها بعد اتهام وزير الخارجية بتجاوزها، والبرلمان يحاول استعادة وزن قاليباف بعد ارتباك دوره في المسار التفاوضي، ووزارة الخارجية تتحمل كلفة العمل تحت سقف رسمته الدائرة الأمنية.

بينما يحتفظ الحرس بالقدرة الأوسع على ضبط المسار وتحديد حدوده وإقصاء من يتجاوزها، فيتحول الفيتو من صلاحية مكتوبة إلى سلطة فعلية تحدد ملفات التفاوض وتضع المرونة السياسية تحت رقابة أمنية مباشرة.

وتصل أزمة عراقجي إلى قلب النظام لأنها تجمع المحاسبة والتفاوض والفيتو الأمني في مسار واحد، فإبعاده يمنح الرئاسة والبرلمان فرصة تقديم تصحيح داخلي محدود، وبقاؤه يثبت قدرة الحرس على حماية خطه داخل وزارة الخارجية.

وتكشف الحالتان بدء طهران إدارة كلفة الحرب داخل بيتها السياسي، إذ تحوّلت القضية من خلاف حول وزير فقد جزءًا من الغطاء السياسي إلى اختبار لموقع الحكومة أمام الحرس، ولمدى قدرة المؤسسات السياسية على استعادة قرار التفاوض من الدائرة الأمنية التي خرجت من الحرب بحضور أوسع داخل بنية الحكم.

مشاركة

مقالات ذات صلة