ثقافة ومجتمع

عندما يقع الإنسان في الحب أو التعلّق، تفرزُ دماغه مزيجًا من المواد الكيميائية العصبيّة التي تعزّز الشعور بالنشوة والارتباط. فقد أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي أنّ مناطق معينة غنيّة بالدوبامين (ناقل السعادة والمكافأة) تنشط بشدة في حال وقع الشخص في الحب، في حين تنخفض فيها نشاطات مناطقِ الخوف والحكم الاجتماعي ومثلما يسبب الدوبامين شعوراً بالنشوة أشبه بتعاطي المخدّرات، تفرز داخل الجسم مادة الأوكسيتوسين المعروفة بـ«هرمون العناق»، خاصّةً أثناء الحميميّة أو التقارب الجسدي، لتعميق روابط الثقة والطمأنينة بين الشريكين. وتلعب هرمونات أخرى دورًا مهمًا في مراحِل مختلفة من الوقوع في الحب؛ فمثلاً تشير بعض الأبحاث إلى أنّ مستوى السيروتونين لدى المتعلّقين حديثاً قد ينخفض إلى نحو مستويات مشابهة لمن يعانون اضطراب الوسواس القهري، مما يساعد على تفسير الشعور بالانشغال القهري بشخص الحبيب في المراحل الأولى للحب.

وبالإضافة إلى الكيمياء، يساهم جهازُ الذاكرة في تعميق التعلّق؛ فالعواطف القويّة تُنشط أجزاء من الدماغ مثل الحُصين (الهايبوكامب) والغدة الحُوفية (الأميجدالا) فتثبّت الذكريات العاطفية، فتُصبح صورٌ وذكرياتُ اللحظات المشتركة مثبِّطةً للتعافي. وقد وجدت إحدى الدراسات أن رؤية صور أو زيارة أماكن مشترَكة مع الشريك السابق قادرة على إشعال موجات الدوبامين مجددًا، مما يشعرنا بالرغبة الشديدة والاشتياق وكأنّنا نتعاطى الدوبامين مجدّدًا.

وبالرغم من هذا الالتباس الكيميائي، فإنّ الحب الحقيقي يتجاوز التفاعلات العصبية: فهو شعور نابع من التقدير والاهتمام بالآخر نفسه، وليس مجرد سعي لتلبية حاجاتنا الشخصية. فعلماء النفس يوضحون أنّه في الحب نتوجه نحو الشريك كشخص فريد “هو الحبيب الذي نهتم به”، بينما التعلّق قد يركّز على مدى شعورنا بالأمان عندما يكون الآخر بجانبنا. بعبارة أخرى، الحب يرى الشريك باعتباره «الشخص» الذي نحبّه، والتعلّق يراه «وسيلة» لتحقيق الراحة والاحتياج. وقد تتحوّل نشوة التعلّق إلى شكل غير صحي عند تجاوز الحاجات الفطرية، بما يشبه الاعتمادية المفرطة (co-dependency) التي تجعل الشخص يضع احتياجات الآخر فوق احتياجاته، ويشعر بحاجته الماسة لأن يكون مرغوبًا ومحبوبًا دومًا.
غالبًا ما يشبه الفراق علاقةً فنهاية فقد عزيز؛ ولذلك يتعرض الإنسان لمراحل نفسية مماثلة لحالات الحداد. ويستعرض الأخصائيون عادةً خمس مراحل أساسية يمرّ بها المنفصل:

تُشبّه بعض المصادر الفراق بفقدان عزيز، حيث تؤكد دراسة جامعية أن «الحزن بعد الانفصال يحمل في طياته الكثير من ملامح الحزن المُصاحب لفقدان شخص محبّ». وتساعد هذه الإطارية النفسية الشخص على فهم مشاعره الحادة وألا يشعر بالوحشة؛ فهو ببساطة يمرّ بفترة معقدة من التكيف مع الخسارة. وحتى على المستوى العصبي، أظهرت الدراسات التصويرية أن ألم الفراق يُشبه ألم الحرق الحاد أو كسر عظم؛ فإن مناطق الألم الحسي في الدماغ (مثل القشرة الأمامية الحزامية) تنشط بصورة مشابهة عند تذكّر الفراق.

يصعب نسيان الحبيب السابق لأن آليات الدماغ تدفعنا عمّا نشعر به بصورة «إدمانية». فكما يحتاج المدمن إلى الدواء للاستمرار في الشعور بالراحة، فإن الدماغ الذي تعوّد على هرمونات الحب يجد فجأة نفسه في حال «انسحاب»: فقد ينخفض الدوبامين بشكل حاد بعد الفراق بينما يرتفع الكورتيزول (هرمون التوتر)، مما يجعل التكيف مع الواقع صعبًا. وعلاوةً على ذلك، يخلِّف الفراق نشوة ذهنية تمتزج بحزن؛ فالتفكير المتكرر في الشريك السابق يوقظ دائمًا تلك الدوائر العصبية لنيورونات الدوبامين في الجسم المخطط، فيجعل المرء يشتهي شيئًا لا يستطيع الوصول إليه. لذلك يعيد المرءُ تجربة الرغبة والشوق كما لو كان يحتاج جرعة من المشاعر السّعيدة نفسها.
وعن الفرق بين الحب والميلّ المرضيِّ إلى شخص ما، يشير خبراء النفس إلى أن الحب الصحي يحرص على رفاهية الطرفين، ويضمن احترام الذات والخصوصية؛ بينما التعلّق المرضي يمكن أن يتسم بزيادة القلق والخوف من فقدان الآخر، وإحساس دائم بأن السعادة الشخصيّة تعتمد على حضوره وحده. فقد لوحظ أن التعلّق المرضي في كثير من الأحيان يشبه «الاعتماد العاطفي المفرط» (الكوديبندنسي)، حيث تصبح حاجات الشخص نفسها ضائعة وراء رغبة دائمة في إسعاد الآخر وإشباعه. وعلى عكس الحب الذي يتسم بالإيثار والتواصل المشترك، قد يتحوّل التعلّق إلى شعور من الوحدة والاعتماد المتبادل العاجز عن الاستغناء.
إلى جانب فهم الجذور النفسية والفيسيولوجية، هناك خطوات واقعية يمكن أن تساعد في تخفيف الألم واستعادة النشاط الروحي تدريجيًا. من المفيد اعتبار هذه الخطوات كبرنامج عملي:
ليس الهدف من مواجهة الفراق أن نُدفن مشاعرنا، بل أن نتعلّم منها شيئًا ثمينًا. فعلى رغم أنّ الألم يبدو قارعًا في المراحل الأولى، فإنّه يمكن أن يُفضي إلى بناء قوة داخلية. فكما كتب كاتب نفسي: «القوة تنبع من الصمود… ففي نهاية الفراق قد تكتسب قوة، وتشعر بالارتياح لمعرفة أنّك قادر على التعافي من حزن عميق». ومع مرور الوقت، يحين دور الحكمة؛ فالتأمل في العلاقة الماضية يتيح فرصًا لتحويل ما تعلمته إلى دروس حياتية. يمكنك مثلاً أن تسأل نفسك: «ما الذي اكتسبته من هذه التجربة؟» قد تتضح أمامك نقاط قوة اكتسبتها (كالصبر)، أو جوانب تحتاج للعمل عليها (كالتواصل). وهذا التأمل الصادق يساعدك على وضع أهداف تنمّي نفسك وتُعدّك لعلاقات مستقبلية أكثر صحة.
من المهم أن نتذكر: الألم جزء من الرحلة، لكنه ليس النهاية. من خلال تقبّل المشاعر ومواجهتها بالشجاعة، نستطيع أن نخرج منها أقوى وأكثر وعيًا بذواتنا. فكما تشير بعض المصادر، أزمة الفراق يمكن أن تكون بداية لنمو شخصي عميق: «الأزمة = نموّ»، فكل ألم نمرّ به يزيحه النسيان تدريجيًّا ويترك وراءه عرفانًا وقوّة جديدتين. كل تجربة حب وتعلّق خضناها تضيف جزءًا إلى مسيرتنا وتجعلنا ننضج. ولذا، بينما نعمل على تجاوز الألم، لنبقَ متفائلين بأن الأيام المقبلة ستمنحنا فرصًا جديدة للحب والصداقة بقلوب أكثر نضجًا وصفاءً.
بالختام، يجدر بالتأكيد أن نتقبّل أن الشعور بالحنين بعد الفراق ليس ضعفًا، بل هو استجابة طبيعية لخسارة عميقة. فالاعتراف بالألم واحتضانه جزء مهم من عملية التعافي. ووفقًا للأبحاث، العنف بإخفاء المشاعر أو تجاهلها يؤدي أحيانًا إلى تطويل المعاناة. بدلاً من ذلك، يُنصح بالتسامح مع الذات؛ فالفرد الذي يعترف بوجعه ويتعامل معه برقة وصبر، ينهي مرحلة الحزن بشكل أسرع وأكثر صحة. وفي اللحظات الصعبة، قد يكون الاحتكاك بالآخرين – سواء عبر مشاركة قصصهم أو قراءتها – مصدرًا للراحة وللتذكير بأنك لست وحدك.
كما أن البيئة المحيطة لها دور كبير. فالتشجيع من الأسرة والأصدقاء يذكّرك بقيمتك ويمنحك الطاقة للاستمرار. وحتى إن لم يرحب الجميع بمشاعرك بنفس الطريقة، فإن مجرد وجود من يستمع إليك هو دعم ثمين. لذلك، سواء كان بمشاركة فنجان قهوة مع صديق عزيز أو بمحادثة مع أخصائي نفسي، فإن النقاش حول مشاعرك يساعد في تفريغ الضغط النفسي ويمنحك أدوات لمواجهته.
في نهاية المطاف، النسيان الكامل ليس هو المطلوب دائمًا؛ فهو عملية قد تستغرق وقتًا وتختلف من شخص لآخر. ولكن بالمقابل، يمكننا التحكم في كيفية استجابتنا لهذا الفراق. فعندما نفهم الطرق التي يؤثّر بها الحب على عقولنا، ونتعرف على مراحل الحزن، ونتبع خطوات مدروسة للتعافي، نصبح قادرين على أن نترك الألم خلفنا بطرق صحيحة. ومع كل خطوة نخطوها نحو التقبل والعمل على الذات، نقترب أكثر من صفحة جديدة في حياتنا تملؤها الأمل والإيجابية.



