ثقافة ومجتمع
في جزر غالاباغوس، يجري علماء أحياء اختبارات على أسماك القرش بهدف متابعة عملية تطورها بعد تزويدها شرائح لرصدها خلال تحركاتها، على غرار أنواع أخرى في هذا الأرخبيل الفريد الذي يعتبر محمية محيط حيوي للكوكب.

"هل تراها؟ هناك!" يصرخ عالم الأحياء ألبرتو بروانيو البالغ 33 عاما مشيرا إلى سمكة قرش اجتذبها الطُعم الذي ألقاه من قاربه. وهو يطلق حبلا مزودا خطافا ملفوفا حتى لا يؤذي الحيوان. لكن بجعة وصلت وخطفت الطعم وطارت بعيدا... واختفى القرش.
\nتحت أشعة الشمس الحارقة في هذه الجزر البركانية في المحيط الهادئ والواقعة على مسافة ألف كيلومتر من ساحل الإكوادور، يتكرر الانتظار. وبعد ساعة تظهر سمكة قرش أخرى تقضم الطعم وتتمكن من الهروب. فلم يكن أمام العالم إلا أن أدار محرك القارب وأبحر إلى منطقة أخرى من الأرخبيل.
\nوما زال أرخبيل غالاباغوس الذي أخذ اسمه من السلاحف العملاقة المستوطنة فيه بمثابة مختبر مفتوح استخدمه العالم الإنكليزي تشارلز داروين لوضع نظريته حول تطور الأنواع.
\nوتضم مياهه الغنية بالعناصر الغذائية بفضل التقاء أربعة تيارات ساخنة وباردة، أكثر من 2900 حيوان بحري، 25 في المئة منها مستوطنة فيها.
\nيلوح ظل تحت سطح المياه، فيعيد ألبرتو إلقاء حبله. وبعد محاولات عدة يصرخ "أمسكت بها!". يترك سمكة القرش تقوم برحلات ذهابا وإيابا "ليتعبها". ثم، بيديه المحميتين بقفازين، يسحبها بكل قوته ويقربها من القارب.
\nيقاوم الحيوان فيما يتأرجح المركب. يحاول القبطان ومساعده موازنته من الجانب الأيمن ويأتي حارسان آخران من متنزه غالاباغوس الوطني للمساعدة. وأخيرا، أسرت سمكة القرش بحبال وبدأت عملية الوسم والتعقب.
\n
وقال ألبرتو لوكالة فرانس برس "عليكم أن تذهبوا بسرعة لأن سمكة قرش لا تستطيع البقاء خارج الماء إلا لدقائق قليلة". وبعدها بدأ تحديد مقاساتها: أنثى طولها 2,30 مترين ووزنها حوالى 150 كيلوغراما وعمرها نحو 15 عاما. وهذه السمكة هي واحد من 36 نوعا من أسماك القرش رصدت في الأرخبيل.
\nوبعد ذلك، يأخذ عالم الأحياء عينة من الجلد ويثبت قطعة بلاستيك صفراء مرقّمة ويدخل شريحة إلكترونية تحت الجلد السميك. ثم، ببطء شديد، يحرر السمكة من قيودها.
وسجّلت روبي كويفا وهي متدربة تبلغ 23 عاما، كل ما حصل في مدوّنة. وقالت هذه الطالبة في الإدارة البيئية وهي من جزر غالاباغوس "حلمي أن أدرس أيضا القرش الحوتي".
\nويهدف عمل مراقبة الأنواع ووضع علامات عليها والذي يقوم به متنزه غالاباغوس الوطني ومنظمات علمية أخرى مثل مؤسسة تشارلز داروين، إلى إجراء تحاليل وتجهيز الحيوانات برمز فريد، أو حتى أجهزة إرشاد. وذلك من أجل تحديد أعدادها وموائلها وغذائها ومسارات هجرتها.
\nوفي الأسبوع نفسه، هناك مهمة ثانية أقل إثارة لكنها ليست أقل إرهاقا. عند الفجر، انطلق ألبرتو وجنيفر سواريز (33 عاما)، وهي أيضا عالمة أحياء مع فريقهما. مهمة اليوم: السلاحف البحرية.
\nمن المركب، يمكنهم رؤية العشرات منها تمرح في الأمواج. لكن البكرات تثنيهم عن الاقتراب. وألقيت المرساة في مكان أبعد، في خليج صغير يسهل الوصول إليه في جزيرة فلوريانا. وبعد ذلك، تنقل العلماء بين الصخور حيث تسترخي إغوانات بحرية.
\nعلى الشاطئ، خمس سلاحف ثقيلة. تقول جنيفر "لا تدعها تهرب". وكل منهم وضع نصب عينيه واحدة، وعند الإشارة، بدأوا الجري على الرمال البيضاء.
\nترفرف السلاحف زعانفها عازمة على الوصول إلى المياه الشفافة. لكنها لم تفلح. فقد تم تثبيتها بين الركبتين وثبتت قواقعها التي تشبه الجلد اللامع بإحكام.
\nوبعد ذلك، أخذ علماء الأحياء عينات ووضعوا إشارات عليها. وتم تحديد أكثر من 18 ألف سلحفاة منذ العام 2002. رصد بعضها في كوستاريكا والبيرو والمكسيك.
\nوتقول جنيفر "لدينا العديد من برامج المراقبة للأنواع الرمزية من أجل معرفة أعدادها (...) ما الذي يهددها ويؤثر عليها".
\nلأن الهدف، كما تؤكد، هو "إنشاء بيانات تسمح بحمايتها" مثل أسماك القرش وكذلك الفقمة والشعب المرجانية والإغوانا... كل هذه الأنواع تجعل من جزر غالاباغوس موقعا استثنائيا مصنفا ضمن قائمة التراث الطبيعي للبشرية.



