ثقافة ومجتمع

في عيد الحب، يتجدّد السؤال الذي حيّر البشر عبر العصور: هل هناك حقاً شخص واحد خُلق ليكملنا، أم أن الحب رحلة تُبنى بالتجربة والجهد؟

منذ اليونان القديمة، حيث تخيّل أفلاطون أن البشر كانوا كائنات مكتملة شطرها الإله زيوس نصفين، ظلّت فكرة "النصف الآخر" تلهم الشعراء والفلاسفة. وفي العصور الوسطى، جسّد شعراء التروبادور والقصص الأسطورية مثل لانسلوت وغوينيفير صورة الحب العذري الممنوع، بينما قدّم شكسبير في عصر النهضة مأساة "العشّاق الذين عاكستهم النجوم". وصولاً إلى هوليوود، التي غذّت أحلامنا بقصص الحب المثالية وكأنها قدر لا مفر منه.

لكن العلم الحديث يقدّم رؤية مختلفة. يشير خبراء علم النفس إلى أن الاعتقاد بوجود توأم روح واحد قد يكون "فخّاً عاطفياً"، إذ يجعل العلاقات أكثر هشاشة عند أول خلاف. البروفيسور جيسون كارول من جامعة بريغهام يونغ يوضح أن الحب الحقيقي ليس العثور على قطعة ناقصة، بل هو علاقة تُصنع عبر سنوات من التكيّف، الاعتذار، والتحمّل بصبر. ويضيف أن "المعتقدات القائمة على النمو" تمنح العلاقات قدرة أكبر على الصمود، مقارنةً بمعتقدات القدر التي تنهار عند أول عقبة.

الأبحاث تكشف أيضاً أن الشرارة القوية قد تكون مضلّلة. مدرّبة العلاقات فيكي بافيت تحذّر من "الرابطة الصدمية"، حيث ينجذب البعض إلى شركاء متقلّبين بين الحنان والقسوة، ما يخلق شعوراً مألوفاً لكنه غير صحي. دراسة كندية شهيرة عام 1993 أظهرت أن أقوى درجات التعلّق كانت لدى النساء اللواتي عاشرن شركاء يتأرجحون بين السحر والإساءة، ما يفسّر انجذاب البعض إلى علاقات مؤذية.

إذا كنت تظن أن احتمالية العثور على شريكك هي 1 إلى 8 مليار، فالرياضيات تطمئنك. خوارزميات التوافق تثبت وجود "سلسلة من الأشخاص المنشودين". المسألة ليست في "العثور" على الشخص، بل في "اختيار" واحد منهم وبناء الحياة معه.. النموذج الرياضي يبرهن أن السعادة الزوجية لا تتطلب أن يكون الطرف الآخر الخيار الأول دائماً، بل يكفي أن يكون قريباً من قمة قائمة التفضيلات.

وعلى أرض الواقع، يثبت علم الاجتماع أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الحب اليومي. دراسة واسعة أجرتها جاكي غاب عام 2015 بيّنت أن "أفعال الانتباه اليومية" مثل تقديم فنجان شاي في السرير أو ابتسامة خاصة في مناسبة اجتماعية، كانت أكثر تأثيراً في تعزيز الشعور بالتقدير من الهدايا الباهظة أو السهرات الفخمة. الحب، كما تقول غاب، ليس قصة خيالية، بل نسيج من اللحظات البسيطة التي تُبنى وسط ضغوط الحياة.

العلم لا ينفي الرومانسية، بل يعيدها إلى واقع ملموس: الحب ليس قدراً محتوماً، بل مشروع مشترك يُصنع يوماً بعد يوم. ومن المفارقة أن الذين ينتهي بهم المطاف في علاقات "مقدّرة على نحو فريد" هم غالباً أولئك الذين كفّوا عن انتظار القدر، واختاروا أن يصنعوا حبهم مع إنسان ناقص، لكنه حاضر ومستعد للمشاركة.



