ثقافة ومجتمع

في بداية الزواج، يكون الشغف مشتعلاً، واللقاءات مليئة بالدفء والفضول والاكتشاف. لكن مع مرور السنوات، تبدأ كثير من النساء في ملاحظة فتورٍ غير مفهوم في الرغبة أو الاهتمام بالعلاقة الحميمة، رغم استمرار الحب والاحترام.
فهل السبب نفسي؟ أم بيولوجي؟ أم أن الحياة الزوجية ببساطة تُرهق المشاعر وتطفئ اللهفة؟
الجواب ليس بسيطاً، لكنه موجود في تفاصيل دقيقة تجمع بين العقل والجسد والتجربة اليومية.

تؤكد دراسة صادرة عن جامعة ستانفورد أن النساء أكثر تأثراً بالضغوط اليومية على مستوى الرغبة الجنسية مقارنة بالرجال. فعندما يكون الذهن مثقلاً بالمسؤوليات، كالأمومة أو العمل أو مشاكل الحياة اليومية، يضعف التواصل مع الذات ومع الجسد.
الدماغ — وهو المحرك الأول للرغبة — لا يمكنه استقبال الإشارات الجنسية بوضوح في ظل التوتر والإجهاد. وهنا تكمن الحقيقة الصادمة: الرغبة لا تموت، لكنها تختنق تحت ضغط الحياة.
وفي دراسة أخرى نُشرت في مجلة Journal of Sexual Medicine، أظهرت النتائج أن النساء اللواتي يعانين من القلق المزمن يفقدن الرغبة بنسبة 55٪ أكثر من غيرهن، حتى مع وجود شريك محب وداعم.
الرغبة ليست جسداً فقط؛ إنها إحساس بالأمان والانجذاب النفسي. المرأة بطبيعتها تحتاج إلى دفء عاطفي قبل أي اقتراب جسدي.
عندما تشعر بالإهمال، أو بغياب كلمات المودة، أو بانشغال الشريك عنها، يبدأ الجسد بإرسال إشارة صامتة: “لستُ مستعدة.”

توضح الباحثة إستير بيريل، المتخصصة في علم النفس والعلاقات الزوجية، أن “النساء يجدن المتعة الجنسية عندما يشعرن بأنهن مرئيات ومقدّرات ومحبوبات.” أي أن الرغبة الأنثوية تتغذّى من الانتباه والحنان، وليس من الممارسة وحدها.
التواصل هنا ليس بالضرورة كلاماً طويلاً، بل نظرة، لمسة، كلمة صادقة تُعيد التوازن بين القلب والجسد.
من المعروف أن الهرمونات الأنثوية، خصوصاً الإستروجين والتستوستيرون، تلعب دوراً محورياً في تنظيم الرغبة. ومع مرور الوقت أو بعد الولادة أو مع اقتراب سن الأربعين، تتراجع هذه الهرمونات تدريجياً، مما يسبب انخفاضاً طبيعياً في الرغبة.
لكن هذا لا يعني أن الحياة الحميمة انتهت! فبحسب دراسة من جامعة مايو كلينك، يمكن تحسين الرغبة عبر نمط حياة صحي:
حتى أن الباحثين أشاروا إلى أن العلاقة الحميمة المنتظمة نفسها تساعد في تنظيم الهرمونات، مما يعني أن القرب الجسدي يمكن أن يكون العلاج، لا المشكلة.
الأمان العاطفي شيء جميل، لكنه قد يصبح سيفاً ذا حدّين. بعد سنوات من التعايش اليومي، يتحول الشغف أحياناً إلى عادة، والعلاقة إلى واجب روتيني.
تقول خبيرة العلاقات هيلين فيشر من جامعة روتجرز:
"المخ البشري يحتاج إلى عنصر المفاجأة ليستمرّ في إفراز الدوبامين، وهو الهرمون المرتبط بالرغبة والإثارة."
ولذلك، فإن كسر الروتين ببعض التفاصيل الصغيرة — كعشاء رومانسي، أو تغيير المكان، أو كلمات الغزل التي كادت تُنسى — يمكن أن يُعيد الدفء والفضول إلى العلاقة.
من أكثر الأسباب شيوعاً لانخفاض الرغبة بعد الزواج هو فقدان المرأة ثقتها بجسدها، خاصة بعد الحمل أو التقدّم في العمر.
تشعر بعض النساء أنهن “لم يعدن جميلات كما كنّ”، فينعكس هذا الشعور على تصرفاتهن داخل العلاقة.
تؤكد الأبحاث الحديثة أن الثقة بالنفس هي العامل الأهم في الإحساس بالإثارة. فالجمال لا يُقاس بالمقاييس المثالية، بل بالشعور بالقبول الذاتي والراحة في الجسد.
المرأة التي تحب ذاتها تشعّ أنوثة، والرجل الذي يدرك ذلك يراها أكثر جاذبية مهما تغيّرت ملامحها.

عزيزتي القارئة، فتور الرغبة ليس فشلاً منك، ولا نهاية للحب. إنها إشارة ذكية من جسدك تقول لكِ: "أنا بحاجة إلى راحة، أو اهتمام، أو توازن جديد."
الرغبة لا تُستعاد بالقوة، بل بالرعاية والصدق مع النفس.
ابدئي بالاعتناء بعقلك قبل جسدك، وبمشاعرك قبل رغبتك، وسيعود الشغف تدريجياً حين يشعر الجسد بأن الروح آمنة ومستعدة من جديد.
ولا تنسي أن الحب الناضج لا يُقاس بعدد المرات، بل بعمق التواصل في كل مرة.



