ثقافة ومجتمع
لماذا نحب من لا يستحق؟ التعلّق العاطفي: أكثر من حب

في لحظة صفاء، قد تسأل المرأة نفسها: لماذا تعلّقتُ بمن جرحني؟ لماذا لا أستطيع التوقف عن التفكير بشخصٍ لم يمنحني سوى الخذلان؟ الإجابة ليست في ضعفكِ، ولا في مبالغتكِ في الحب، بل في طريقة عمل دماغكِ، في ما يُعرف بـ"الذاكرة العاطفية"، وفي تشابك معقّد بين التعلّق، الأمل، والحنين.
ذاكرة الحب أقوى من ذاكرة الألم

يؤكد علماء النفس أن الدماغ البشري لا يسجّل كل الذكريات بنفس الطريقة. الذكريات التي ارتبطت بعواطف قوية – كالسعادة، الأمان، اللهفة – تُخزّن بشكل أعمق، وتُسترجع بسهولة أكبر. ولهذا، عندما تفكرين بشخص أساء إليكِ، قد تسبقك صورة ضحكته، لمسة يده، أو نظرة دفء منه، لا صراخه أو بروده.
هذه هي الذاكرة العاطفية، التي تبرمج دماغكِ على استدعاء اللحظات الإيجابية، وتهميش الألم، خصوصًا إذا لم يُحلّ أو يُفهم.
مثال: امرأة تركها شريكها بعد علاقة استمرت عامين. رغم الألم، لا تزال تتذكّر كيف كان يحمل لها القهوة صباحًا، وتبكي عندما تتذكره، لا لأنه كان جيدًا معها دومًا، بل لأن لحظات نادرة من الحب العميق تُعيد إشعال التعلّق.
التعلّق العاطفي: أكثر من حب، أقل من وعي
التعلّق ليس حبًا ناضجًا. هو نمط ارتباط يحدث غالبًا في الطفولة ويتكرّر في علاقاتنا. المرأة التي لم تشعر بالأمان في علاقاتها الأولى (مع الأهل مثلًا)، قد تجد نفسها تنجذب إلى شركاء غير مستقرين أو باردين، لأنها تعتقد – لا شعوريًا – أن الحب يجب أن يُنتزع، لا أن يُعطى بسلاسة.

مثال: فتاة عاشت طفولة مضطربة، تجد نفسها دائمًا في علاقات مع رجال مترددين أو غامضين، تبرر لهم غيابهم، وتراهم "يحتاجون من يفهمهم". الحقيقة؟ هي تعيد تجربة الطفولة، سعيًا لا واعيًا لترميم ما لم يُصلح قديمًا.
الأمل… سلاح ذو حدين
النساء عادة أكثر ميلًا لمنح الفرص، لأنهن يؤمنّ بالتغيير. الأمل يجعلكِ ترين شخصًا يؤذيكِ، وتقولين: "سيعود كما كان". لكنه في كثير من الأحيان يصبح فخًا، لأنكِ لا تحبين الشخص كما هو، بل كما تتمنين أن يكون.
مثال: امرأة تبرر خيانة شريكها بظروفه النفسية، وتتعلق بفكرة أنه سيتغير "يوما ما"، رغم غيابه المتكرر وألمه المستمر لها.
لماذا لا نُحب من يحبنا؟
لأننا لم نتعلم أن نحب الحب السهل. المرأة التي تعودت على التعب في الحب، ترى في العلاقات الهادئة نقصًا في الشغف، بينما هي في الحقيقة قد لا تكون اعتادت على الحب الناضج. هناك نوع من الإدمان العاطفي على التوتر، يجعل المشاعر المرتبطة بالراحة تُفسَّر خطأ على أنها ملل.
مثال: رجل يعامل امرأة بلطف واحترام، لكنها لا تشعر نحوه بانجذاب قوي، رغم أنه يفعل كل ما كانت تتمنى أن يفعله من قبل.
ما العمل؟ كيف تتخلصين من تعلّق لا يخدمك؟
1. اعترفي أن التعلّق ليس حبًا
التعلّق يقوم على الخوف من الفقد، بينما الحب يقوم على الرغبة في العطاء والنمو. اطرحي على نفسك: "هل أشتاق له لأنه يحبني؟ أم لأنه لا يحبني بما يكفي؟"
2. اكتبي ما فعله بكِ
خصصي ورقة تكتبين فيها كل ما سبب لكِ الألم، بلا تزيين ولا أعذار. القراءة المتكررة لهذه الورقة تعيد التوازن بين ذاكرتك العاطفية وواقعك العقلي.
3. اشغلي ذاكرتك العاطفية بجديد
الدماغ لا يُفرغ، بل يُملأ. خذي وقتكِ لتكتشفي متعًا جديدة: رقص، سفر، علاقات صداقة حقيقية. حين تتراكم لحظات سعيدة جديدة، يتراجع الحنين القديم.
4. لا تراقبي… لا تنتظري
تتبع أخبار الشخص الذي تحاولين نسيانه يعيد برمجة التعلّق. امنحي نفسكِ 30 يومًا من الانفصال التام: لا مواقع تواصل، لا صور، لا مراجعة لرسائل قديمة.
5. تعاطفي مع نفسكِ
لا تلومي نفسكِ على الحب. لكن لا تبرري البقاء في ما يؤذيكِ باسم الإخلاص. كوني أمًا لنفسك: احميها، ضمّيها، ولا تسلميها لمن لا يرى قيمتها.
في الختام…
نحن لا نحب من لا يستحق لأننا ضعيفات، بل لأننا نؤمن أن الحب يمكن أن يُشفي. لكن الحب وحده لا يكفي إن لم يكن متبادلًا، مسؤولًا، محبًا.
حين تدركين أن قيمة قلبك لا تقاس بعدد الدقات التي أعطيتيها، بل بالسلام الذي تستحقينه، ستعرفين أن الانفصال عن من لا يستحقك… هو أول خطوة نحو حبك الحقيقي: نفسك.
مقالات ذات صلة

لماذا يهرب الناس من الحديث عن مشاعرهم؟

بتحليل آلاف الأحلام.. الذكاء الاصطناعي يكشف كيف يصمم دماغك أحلامك بناءً على شخصيتك

هوس العضلات الافتراضية.. دراسة تحذر: 3 دقائق على "تيك توك" كفيلة بتدمير ثقة الشباب بأجسامهم


