اخبار لبنان

بات جلياً انه سيتم ترحيل ملف النازحين إلى العام الجديد وربما إلى أعوام، إذ لم تحدَّد مواعيد لطيّ هذا الملف المعقد والبالغ الخطورة على المستوى الديموغرافي، حيث بدأ يشكل عاملاً مقلقاً ومخيفاً نظراً الى الأعداد الهائلة، فيما المجتمع الدولي غائب عن السمع ولا يرغب في إثارته، الأمر الذي فوجئ به مسؤول #لبناني لدى زيارته إلى بروكسيل قبل أسابيع عندما قال للممثل الاعلى للسياسة الخارجية والشؤون الامنية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل: "يجب أن تعملوا لمساعدتنا في موضوع النازحين"، فكان الجواب سريعاً: "نحن نرغب في ذلك لكنهم سيبقون في لبنان. الحرب مستمرة في سوريا ونقوم بالواجب تجاه النازحين، والأمور لم تنضج بعد لطي هذا الملف". وانتهى الكلام عند هذا الحد .
من هذا المنطلق، كانت قضية النازحين السوريين أحد أبرز التطورات والأحداث اللبنانية في العام 2023، وعقدت لقاءات وحصلت اتصالات ومبادرات وتحركات لا تُحصى، ولكن "مكانك راوح" من دون تسجيل أي خرقٍ من شأنه عودة النازحين إلى ديارهم، إلا أن الوقائع على الأرض تشي ببقائهم في لبنان من دون تحديد موعد العودة، والحديث يتشعب في هذا الإطار، فالبعض يتحدث عن "التوطين الآخر" بعد ال#فلسطينيين، أو انتظار صفقة دولية، بمعنى ان هذه المسألة لم تُحسم نظراً الى دقتها وخطورتها وتعقيداتها دولياً وإقليمياً وعلى كل الصعد.
ملف النازحين انطلق من خلال خطة شاملة في حكومة الرئيس سعد الحريري قبل استقالتها، وكان الوزير صالح الغريب وزيراً لشؤون النازحين وذهب إلى سوريا حاملاً خطة متكاملة، لكن الظروف السياسية الداخلية وتعقيداتها وتصفية الحسابات والخلافات أفشلت الخطة، لتكرّ السبحة مع وزراء آخرين وصولاً إلى الوزير الحالي عصام شرف الدين، ما يعني ان المسألة ليست مسألة تضارب صلاحيات فحسب، بل هي الخلافات السياسية تعوقها نظراً الى عدم التوافق الداخلي والانقسام بين مَن يرى "عنصرية" في أي دعوة لعودتهم الى بلادهم، فيما البعض الآخر يؤكد أن ذلك ينمّ عن عدم قدرة لبنان على تحمّل تبعات هذا الملف الكبير في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعانيها لبنان.
في السياق، أحد كبار المسؤولين المولج بالعلاقات اللبنانية - السورية ولديه خبرة ودور في هذا المجال، قال لــ"النهار" إن "اللقاءات التي حصلت في العاصمة السورية من خلال زيارات لمسؤولين لبنانيين، إلى الوفد الوزاري الموسع الذي ذهب في الآونة الأخيرة، وكل ما جرى في العام 2023، لم يؤدّ إلى أي حلٍ، وبكل شفافية أرى ان ثمة صعوبة في ذلك، فالموضوع بُحث ونوقش والحلول ليست في متناول أي طرف نظراً الى الخلافات القائمة في الداخل اللبناني، وقد قال الرئيس السوري بشار الأسد بوضوح، إن بلاده تحتاج إلى إعادة بناء البنى التحتية ومن يريد العودة أهلاً وسهلاً به، وثمة أحكام قضائية ألغيت وسواها من المواقف التي بطريقة أو بأخرى تؤكد صعوبة العودة من الجانب السوري أو اللبناني وتحديداً المجتمع الدولي"، ما تبدى بشكل واضح من خلال ما قاله بوريل، بمعنى "اننا نحن نقدّم المال والدعم الصحي والتربوي لهؤلاء النازحين، فكيف لهم أن يعودوا حيث الظروف في بلادهم لا تسمح لهم بالرجوع إليها في هذه المرحلة.
ويتبين بالملموس أن العام 2023 لم يشهد أي خطوة متقدمة في شأن موضوع النازحين، لجملة اعتبارات وظروف داخلية وإقليمية ودولية، والسؤال المطروح: هل يحمل العام الجديد بشائر تفضي إلى حلول؟ هنا يؤكد المواكبون والمتابعون استحالة أن يكون العام الجديد مقدّمة لحلّ هذه المعضلة التي تحتاج ليس إلى توافق دولي وإن كان ذلك أمراً له دوره وأهميته، بل الى قرار دولي نظراً لترابطه بتصفية الحسابات الدولية على خلفية حرب سوريا وما يجري في المنطقة، وما زاد الطين بلة حرب غزة حيث وُضع موضوع النازحين على الرفّ ولم يعد أحد يسمع به لضخامة الحرب في فلسطين على كل المستويات الميدانية والدمار الذي لحق بها، والترانسفير، اي ان هناك لجوءا آخر للغزاويين إن الى الأردن أو مصر وربما إلى لبنان، والمسألة لاتزال معقدة وغير واضحة المعالم حتى الساعة، لذا سيكون العام المقبل تتمّة للسنة الآفلة وليس في الأفق أي تقدم أو أي خطوة يبنى عليها في الظروف والأجواء والمعطيات الراهنة.
وتذكّر المصادر المواكبة والمتابعة بأن مؤتمر النازحين في بروكسيل لم يكن لمصلحة لبنان على الإطلاق حيث كان القرار واضحا لبقائهم فيه، والأمر عينه سينسحب على العام الجديد، والساحة اللبنانية خصبة لتلقف حروب المنطقة وأزماتها، ما يعيد الى الاذهان نكبة العام 1948 يوم رُحّل الفلسطينيون إلى لبنان ولايزالون فيه. والسؤال: هل سيسري ذلك على النازحين السوريين؟ ولا بدّ من الإشارة الى أن هذا الملف تتابعه موسكو بعناية تامة، وتبحثه على أعلى المستويات في لقاءات مع المسؤولين السوريين، وتمّ آنذاك تكليف السفير الروسي السابق في لبنان ألكسندر زاسبكين به، وقام بخطوات لكنه وصل إلى حائط مسدود، حيث حرب روسيا وأوكرانيا طغت على ما عداها، وكان هناك أكثر من اقتراح روسي لبناء مساكن جاهزة ما بعد الحدود اللبنانية - السورية، إنما اصطدم بعقبات لصعوبة توفير الأموال وللخلاف بين موسكو وواشنطن، والأمور مازالت عالقة، وسيتم ترحيل الملف إلى السنة المقبلة…
وجدي العريضي - النهار



