مقالات

في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عاد إلى الواجهة مجددًا أحد أغرب النظريات التي خرجت من رحم الحرب الباردة: "مؤشر بيتزا البنتاغون"، وهي نظرية جماهيرية غريبة تربط بين ارتفاع طلبات البيتزا في محيط وزارة الدفاع الأمريكية وبين اقتراب حدوث أزمات كبرى على الساحة الدولية.
في يومي 12 و13 يونيو الجاري، لاحظ مستخدمون على منصة "إكس" (تويتر سابقًا) زيادة غير معتادة في طلبات البيتزا قرب مقر البنتاغون ووزارة الدفاع في العاصمة واشنطن، ما أثار موجة من التكهنات بأن الولايات المتحدة ربما دخلت مرحلة تأهب سرية خلف الأبواب المغلقة. وجاءت هذه الموجة من الطلبات قبل ساعات فقط من تقارير عن ضربات إسرائيلية لأهداف إيرانية، في أعقاب هجمات طهران بطائرات مسيّرة وصواريخ، وهو ما أعطى النظرية دفعة جديدة من الاهتمام.
تعود أصول هذه النظرية إلى الحرب الباردة، حين كان الجواسيس السوفييت يراقبون نشاط توصيل البيتزا في واشنطن على اعتبار أنه مؤشر على حالة طوارئ في الأوساط الاستخباراتية الأمريكية، وأطلقوا عليها اسم "Pizzint" اختصارًا لـ"بيتزا انتليجنس" (مخابرات البيتزا).
واكتسبت النظرية شعبية في الأول من أغسطس عام 1990، حين لاحظ فرانك ميكس، مالك فرع دومينوز بيتزا في واشنطن، ارتفاعًا مفاجئًا في الطلبات الموجهة إلى مباني وكالة الاستخبارات المركزية. وفي اليوم التالي، غزت العراق الكويت. ميكس صرّح لاحقًا أنه لاحظ نمطًا مشابهًا في ديسمبر 1998 أثناء جلسات مساءلة الرئيس بيل كلينتون.
المراسل العسكري المخضرم وولف بليتزر علّق مازحًا في عام 1990: "القاعدة الذهبية للصحفيين: راقبوا طلبات البيتزا دائمًا".
في العصر الرقمي، بات "مؤشر بيتزا البنتاغون" جزءًا من أدوات المراقبة عبر مصادر المعلومات المفتوحة (OSINT)، بالاستفادة من بيانات غوغل وخرائطه، ومنصات التوصيل مثل أوبر إيتس، إلى جانب مراقبة جماعية على مواقع التواصل.
حساب @PenPizzaReport مثلاً، يتابع نشاط البيتزا في محيط البنتاغون وينشر تقارير عن "الأنماط غير الطبيعية". وفي 1 يونيو 2025، كتب الحساب: "قبل إغلاق الفرع بساعة، دومينوز الأقرب للبنتاغون يشهد زحامًا غير معتاد." وبعد ساعات، بدأت تقارير تصعيد جديد بين إسرائيل وإيران تتصدر الأخبار.
شهد 13 أبريل 2024 عودة ملحوظة للنظرية، حين أطلقت إيران وابلًا من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه إسرائيل. وفي الليلة ذاتها، أظهرت صور مسرّبة من منصات توصيل الطعام أن مطاعم البيتزا المحيطة بالبيت الأبيض والبنتاغون كانت "أكثر ازدحامًا من المعتاد"، ما أشعل موجة من النكات والرسوم الساخرة على الإنترنت.
في 13 يونيو 2025، كتب أحد مستخدمي منصة "إكس": "مؤشر بيتزا البنتاغون يرتفع مجددًا".
الفكرة بسيطة ولكنها مدروسة: في أوقات الطوارئ، يعمل الموظفون العسكريون لساعات طويلة ولا يغادرون مقراتهم، ويحتاجون طعامًا سريعًا ومشبعًا. وتُظهر دراسات في علم النفس السلوكي أن الناس يميلون لتناول الأطعمة الدسمة والمألوفة في أوقات التوتر، ما يفسر ارتفاع استهلاك البيتزا خلال الأزمات.
ومن خلال بيانات الوقت الحقيقي على تطبيقات التوصيل، يستطيع المحللون المستقلون رصد هذه الأنماط دون الحاجة لأي عمليات اختراق أو تجسس.
رغم أن مؤشر بيتزا البنتاغون لا يُعد دليلًا قاطعًا، إلا أن دقته في 21 مرة تاريخيًا تجعل البعض يراقبه بجدية. ومع ذلك، من الممكن أن تكون بعض الارتفاعات نتيجة اجتماعات داخلية مطولة أو أحداث محلية، مثل مباراة كرة قدم.
لذا، عادةً ما يُقارن هذا المؤشر مع إشارات أخرى: تحركات طيران غير معتادة، نشاط سيارات الأجرة، أو حتى استهلاك الطاقة في المباني الحكومية. وعندما تتطابق أكثر من علامة، يرى بعض المحللين أن "الاحتمال يستحق المراقبة".
حتى الآن، لم تصدر أي تعليقات رسمية من الحكومة الأمريكية بشأن هذه النظرية. وردًا على تقارير تتحدث عن تورط أمريكي في الضربات الإسرائيلية على إيران، قال السيناتور الجمهوري ماركو روبيو:
"نحن لسنا طرفًا في الضربات ضد إيران، وأولويتنا القصوى هي حماية القوات الأمريكية في المنطقة. إسرائيل أبلغتنا بأنها ترى في هذه الضربات ضرورة للدفاع عن نفسها."
لكن صمت البنتاغون لم يمنع الإنترنت من مواصلة التكهنات.
في زمن يستطيع فيه المواطن العادي تتبع تحركات الطائرات والسفن وحتى طلبات البيتزا عبر الإنترنت، يجد مؤشر بيتزا البنتاغون مكانه في تقاطع مثير بين الفكاهة والقلق. إذ لا يتطلب الأمر تصريحًا أمنيًا لرصد بعض الإشارات—فقد يكون الدليل في طابور دومينوز عند منتصف الليل.



