مقالات

خلافاً للتوقعات، لم يتصاعد الدخان الأبيض من مدخنة القصر الجمهوري إيذاناً بولادة الحكومة الأولى في عهد الرئيس جوزف عون على الرغم من التفاؤل بصدور المراسيم، وهذا ما أوحى به توجه رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى القصر للانضمام إلى اجتماع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام، إضافة إلى وصول أمين عام مجلس الوزراء محمود مكية إلى بعبدا، إلا أن الاجتماع الثلاثي بين الرؤساء الذي طال لأكثر من ساعة ونصف الساعة أوحى بوجود عقد جديدة حالت دون أن تبصر الحكومة النور.
وحسب المعلومات فإن العقدة تمثلت بتسمية الوزير الشيعي الخامس الذي سيسميه الرئيسان عون وسلام ويوافق عليه الرئيس بري الذي أبدى امتعاضه أيضاً من نزع حقيبة الصناعة من الثنائي الشيعي وإعطائها للقوات اللبنانية.
وأفيد بأن سلام طرح اسم لميا مبيض للتنمية الإدارية فرفضه بري، ثم طرح بري اسم القاضي في ديوان المحاسبة عبد الرضى ناصر بديلاً فرفضه سلام.
وحاول الرئيس عون إقناع أحد الرئيسين بتبديل رأيه لكنه لم ينجح، ولدى تمسك سلام باسم لميا مبيض للمقعد الشيعي الخامس ردّ بري «اعملها حكومة مبيّض وفي هذه الحال ستعود المفاوضات إلى بدايتها وسنطالب بوزير سادس مسيحي أو سني» ومن ثم غادر الاجتماع من الباب الخلفي للقصر متجنباً المرور أمام الإعلاميين. بعدها، غادر الرئيس المكلف من الباب الرئيسي، ولكن من دون الادلاء بأي تصريح مكتفياً بالقول رداً على سؤال إذا مشي الحال في التشكيل «مشي الحال وما مشي الحال».
رفض الحصرية
ويصر الرئيس سلام وحزبا «القوات اللبنانية» والكتائب على عدم القبول بحصرية التمثيل للثنائي الشيعي من خلال منح الوزير الشيعي الخامس لثنائي «أمل» و«حزب الله» تجنباً للتعطيل ولتكرار تجربة «الوزير الملك» عدنان السيد حسين في عهد الرئيس ميشال سليمان حيث قدم حسين استقالته من حكومة الرئيس سعد الحريري مع وزراء «حركة أمل» و«حزب الله» والتيار الوطني الحر، وكذلك لعدم تكرار تجربة التهديد بالميثاقية بعد انسحاب الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
لكن أوساطاً دبلوماسية رأت في الإصرار على عدم القبول بتسمية الوزير الشيعي الخامس محاولة لإخراج «الحزب» من الحكومة بشكل مقنّع تزامناً مع زيارة أول موفدة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بيروت مورغان أورتاغوس وإيريك تراغر في مهمة تتركز على نقل التوجهات الامريكية الجديدة ومواكبة مجريات اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بعد تمديد المهلة حتى 18 شباط/فبراير الحالي.
وعلّق عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب غياث يزبك على موقف الرئيس بري، فكتب عبر «اكس»: «أعطى الرئيس بري صورة متقدمة وغير مطَمئِنة من قصر بعبدا لِما سيكون عليه اداء الثنائي داخل مجلس الوزراء.
دار الفتوى
في اختصار، الشباب لا زالوا على عاداتهم القديمة، إما أن يحصلوا على ما يفرضونه او يعطِلون. وإذا انتظر العهد والرئيس المكلف «الثنائي» علّه يقلِع عن خصاله غير الحميدة، فإنهما سينتظران كثيراً والدولة لن تقلع» مضيفاً «لقد بدأت تترسخ قناعة لدى اللبنانيين مفادها انه اذا أُسندت إلى الثنائي كل الحقائب السيادية والخدماتية لا نستغرب ان يطلب المزيد. هذه هي اشكاليات الجمع بين الساعين إلى الدولة والسعاة إلى السلطة وقد خَبِرنا مساوئ الجمع بين الدولة والدويلة».
وسبق الاجتماع الثلاثي في بعبدا، زيارة قام بها للمرة الأولى الرئيس المكلف إلى دار الفتوى للقاء مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان من اجل إطلاعه على مسار تأليف الحكومة والحصول على الغطاء السني لحكومته في ضوء التحفظات من بعض الكتل السنية. وبعد اللقاء قال سلام: «أتيت اليوم إلى دار الفتوى التي هي مرجعية كبرى في البلاد كما يعرف الجميع وذلك للاطمئنان على صحة سماحته والحمد الله تعافى من الوعكة الصحية التي ألمت به مؤخراً. وكانت مناسبة للمداولة حول الشؤون الوطنية، وأطلعت سماحته على مسار عملية تأليف الحكومة الذي وصلنا له، وهذا سؤال جميع اللبنانيين. وأكدت له أنني أعمل بكل ما أوتيت به من قوة للإسراع في تشكيل الحكومة، واستمعت لما عند سماحته من حكمة التي تشكل بوصلة لنا».
وأفاد المكتب الإعلامي في دار الفتوى «ان مفتي الجمهورية أكد خلال اللقاء حرصه على صلاحيات رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة انطلاقاً من وثيقة اتفاق الطائف وعدم التساهل في هذه الصلاحيات وضرورة التزام تطبيق الدستور».
تكتل «الاعتدال»
ودعا المفتي دريان «الرئيس المكلف إلى الإسراع في تشكيل الحكومة ضمن اطار المساواة في الحقوق والواجبات بين كل المكونات اللبنانية من دون أي تمييز، كأساس للعيش المشترك في مجتمعنا المتنوع والمتعدد، كما دعاه إلى التمسك بالثوابت الإسلامية التي هي الركن الأساسي للوحدة الوطنية والمشاركة الفعلية في الحكم وموجباته الوطنية الساعية لبناء دولة المؤسسات والقانون وهو ما أشار إليه رئيس الجمهورية في قسمه الدستوري».
وشدد على «أهمية أحسن العلاقات مع الدول العربية والصديقة وفي مقدمها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لما يشكلون من احتضان ورعاية للبنان وشعبه».
في غضون ذلك، برزت خلافات داخل تكتل «الاعتدال الوطني» بين معترض بشدة على أداء الرئيس المكلف وبني داع إلى إعطائه فرصة. وأبرز المعارضين كان النائب وليد البعريني الذي قال «ما بقى بدنا شي خلصنا، وسنقف في وجه الرئيس نواف سلام علناً من الليلة فصاعداً ولن نقف على بابه ولا على باب غيره بعد اليوم» فيما زميله النائب أحمد الخير دعا إلى إعطاء فرصة لإنجاح العهد ورئيس الحكومة المكلف.
وفي ضوء بروز هذا التباين، أعلن تكتل» الاعتدال الوطني» في بيان: «تناولت بعض المواقع الإعلامية أخباراً عن انقسام وتفكك في كتلة الاعتدال الوطني. يهمنا أن نوضح للإعلام وللرأي العام بعض النقاط: إن تكتل الاعتدال الوطني شكّل عنواناً للتلاقي لجميع المكونات السياسية وكان عراباً بالحفاظ على الشراكة الوطنية بين كافة الكتل ومن خلال مبادراته الداعية للوحدة والتضامن للحفاظ على المؤسسات والحياة الدستورية في البلاد. ومن هذا المنطلق نؤكد أن كتلة الاعتدال الوطني والتي تمثل عكار والمنية والضنية هي موحدة تحت عنوان واحد هو إنماء مناطقها والدفاع عن حقوق مناطقها. ولأعضائها الحق بإبداء آرائهم السياسية بكل حرية وديموقراطية وأن أي قرار يتخذ يكون بالتشاور والتشارك بين كافة أعضائها وبالإجماع وهي وجدت كي تبقى» وكشف البيان «ان اجتماعاً موسعاً سيعقد في مطلع الأسبوع لمناقشة الأوضاع الراهنة على الساحة السياسية».
تكتل فرنجية
وأبدى «التكتل الوطني المستقل» الذي يضم النواب طوني فرنجية وفريد هيكل الخازن ووليم طوق امتعاضه من الحصة المعطاة له في الحكومة في وزارة الاعلام. ورأى في بيان أنه «بعد المسار الاستنسابي وازدواجية المعايير التي اتبعها الرئيس المكلف نواف سلام، الذي أظهر انحيازاً فاضحاً لبعض القوى السياسية على حساب قوى أخرى، إذ إنه في الوقت الذي يدّعي فيه عدم رغبته في تمثيل الأحزاب السياسية، نراه يمنح قوى محددة وزارات سيادية وخدماتية أساسية، وذلك في تناقض صارخ مع ما يُروّج له».
وأضاف «نؤكد في «التكتل الوطني المستقل» أن الدستور اللبناني وُجد ليُحترم ويُطبّق بعدالة على جميع الأفرقاء من دون تمييز، فلا يجوز أن يتعامل الرئيس المكلّف مع بعض الأطراف والأحزاب أو حتى المذاهب والطوائف من موقع «المُستقوي» بينما يرضخ لقوى حزبية وطائفية أخرى وحملات إعلامية، ضارباً عرض الحائط الدستور والميثاق الوطني. من هنا نسأل: هل المطلوب اليوم هو إنتاج حكومة حسان دياب جديدة؟ وهل الرئيس المكلف مُقتنع بكلامه عن العمل الحزبي والسياسي؟ وهل هو مقتنع حقاً أنه شخصية حيادية وتاريخه خالٍ من الحياة السياسية والحزبية؟… أليس ذلك تضليلاً آخر للرأي العام؟ وهل من دولة في العالم تُقصي الأحزاب والقوى السياسية عن السلطة التنفيذية؟»
وختم التكتل: «أمام كل ما تقدم، نطالب بأن تكون معايير تشكيل الحكومة واضحة وموحدة، فيتم التعامل مع الجميع بمساواة، وفق أسس الدستور والميثاق الوطني، لا وفق الأهواء والمزاجية السياسية. كما نعوّل على فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، الذي نثق بأنه لن يقبل بمثل هذه السياسات الكيدية والممارسات الانتقائية التي تعمّق أزماته. وانطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية، نؤكد أننا لم ولن نكون في موقع المعطل والعائق أمام إنتاج الحكومة، بل على العكس، نحن من دعاة تسهيل هذا العهد الجديد، حتى لو كان ذلك على حسابنا السياسي، فنحن نؤمن بأن مصلحة لبنان وشعبه فوق أي اعتبار شخصي وفئوي، لكننا في الوقت ذاته لن نقبل بسياسات الكيل بمكيالين التي تهدّد وحدة البلد واستقراره. إن لبنان في حاجة إلى حكومة عادلة، متوازنة، تعكس إرادة اللبنانيين جميعًا، لا حكومة تصفية حسابات سياسية أو مصالح فئوية ضيقة».
رجاء الراعي
أما البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي فاعتبر امام الهيئة الادارية الجديدة ل «جمعية تجار كسروان» أن «لدينا رجاء بيوم جديد بوجود رئيسي للجمهورية جديد ورئيس للحكومة أيضاً، ونأمل أن تتشكل الحكومة خلال اليومين المقبلين وعندها تكون قيامة لبنان خاصة وان المجتمع الدولي كله يهمه أمر لبنان وان يستعيد اقتصاده وعافيته، وهذا أمر مهم جداً، والأهم ألا يضيع المسؤولون هذه الثقة العالمية التي يضعونها في أمل اللبنانيين».
ورأى «أن لبنان يشكل قيمة حضارية للمجتمع الدولي، يمكن نحن لا نعرف قيمته كلبنانيين، ولبنان قيمته في صيغته وعيشه المشترك ونظامه وطيبته وحرياته وغيرها، ولهذه الاسباب المجتمع الدولي يتطلع إلى لبنان، ولكن على هذا المجتمع ان ينظر اليوم إلى لبنان الذي هو في حاجة إلى اعادة اعمار بدءاً من المرفأ».
وسأل الراعي:» لماذا لا يتم العمل بمرفأ جونية كونه عنصراً أساسياً في المنطقة وللبنان وكذلك بالنسبة لمطار القليعات، وفي كل مرة يكون هناك النية لإقامة مشروع يعيدون الحسابات مئة مرة» مؤكداً «ان لبنان عائد للعب دوره في هذه البيئة المشرقية، ونسمع من دول الخليج يرددون لبنان ولبنان. وسألتهم في احدى المرات لماذا لبنان، فأتى الجواب ونحن ذاهبون إلى لبنان وندخل في الأجواء اللبنانية نشعر بالحرية وهي ليست موجودة أينما كان، بل في لبنان، يجب علينا أن نحافظ على هذه القيم».
سعد الياس - القدس العربي



