مقالات

بانتظار ما ستحمله التعليمات الجديدة للسفيرين السعودي والايراني من الرياض وطهران، يبدو الانتظار لبنانيا لمفاعيل التسوية الاقليمية متعبا ومنهكا وثقيلا، لانه يحصل على وقع انهيار اقتصادي متسارع ودون "كوابح". وليس صحيحا كما تقول اوساط نيابية بارزة ان الرهان يبقى على التوافق الداخلي لانتاج رئيس بعيدا عن التطورات في الاقليم، لان العلاقة التبعية بين بعض القوى السياسية والخارج تجعله مقيدا في قراراته، حيث لا يملك هامشا لاتخاذ اي موقف بعيدا عن تلك المصالح، ولهؤلاء في مصير رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري "العبرة"، فهو حين تسلل خلف خطوط المملكة العربية السعودية بتغطية اميركية، وتبنى ترشيح الرئيس السابق ميشال عون دفع الثمن لاحقا دون ان يرف للقيادة السعودية اي "جفن".
ولهذا فان المسألة تبقى مسألة وقت حتى تنضج ملامح هذا التفاهم الذي لديه اولويات، وساحات اختبار اخرى، لعل اهمها اليمن، وما لم يحصل اخفاق هناك وينهار التفاهم، ثمة الكثير من المواقف المتشددة لبنانيا ستنقلب "رأسا على عقب"، وما كان غير مقبول يصبح مقبولا، يبرره اصحابه بحجج "واهية" للجمهور.
هذه النظرية يراهن عليها "الثنائي الشيعي" الرافض حتى الآن لاي بحث حول خطة بديلة لتبنيه ترشيح رئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية، لانه حقا يرى فرصة جدية لانتخابه، ولم يرشحه للمناورة، فهو يعتقد انه اكثر تحررا من الفريق الآخر، لان الجانب الايراني لا يضغط ولا يتدخل، ولا يملي او يفرض اي موقف سلبا او ايجابا في الملف الداخلي اللبناني، ويترك المهمة كاملة لحزب الله، كونه الاكثر دراية في "شعابها"، واذا كانت طهران على مدى السنوات الماضية قد وظفت قدرات الحزب ومكانة قيادته لحل اكثر ازمات المنطقة سخونة، لا يجد نفسه مضطرا لاشغال نفسه بشؤون "بيته". ولهذا لم يكن يوما بحاجة لتعيين مسؤول في الخارجية او غيرها لمتابعة شؤون الملف اللبناني.
في المقابل، ومن "باب" الواقعية السياسية، لا ينفي "الثنائي" التأثير الايجابي للتقارب السعودي- الايراني على الساحة اللبنانية، ولا ينفي انه حين تنضج الامور وتتخذ اكثر من خطوة لتعزيز الثقة، سيكون الملف اللبناني على "الطاولة".
لكن عادة لا تحصل التسويات الا بخروج الجميع رابحين، ومن ضمن صفقة "رابح- رابح" اللبنانية، فان اي مقايضة محتملة ستكون شاملة ومتكاملة تبدأ من الرئاسة الاولى مرورا برئيس الحكومة وشكل مجلس الوزراء، وصولا الى حاكم مصرف لبنان الجديد وكذلك قائد الجيش. ولان الرياض تدرك جيدا ان السلطة التنفيذية الحقيقية في يد الحكومة ورئيسها "السني"، ستحصل هناك على حصتها الوازنة من "الكعكة"، والباقي تفاصيل بما في ذلك الرئاسة الاولى التي يعلق عليها الجميع "شماعة" التعطيل، فيما يدرك الجميع ان اهمية انتخاب الرئيس تبقى في انتظام عمل المؤسسات لا اكثر ولا اقل، وقد تراجع دوره على نحو كبير منذ اتفاق الطائف. ومن هنا، فان اي صفقة تبادلية لن تكون على حساب مرشح "الثنائي"، الا اذا اختارت المملكة الرهان على "حصان" رئاسي خاسر لن يفيدها كثيرا، كما حصل عقب"انقلاب" الرئيس السابق ميشال سليمان على تفاهماته مع حزب الله، وارتمى في "حضن" المملكة فكانت النتائج مخيبة. وهذا الامر مستبعد.
وفي الوقت نفسه، لا نية سعودية في اعادة انتاج نظام جديد على انقاض اتفاق الطائف، وهي تتمسك ببنوده وروحيته، ولا ترغب في الدخول باي نقاشات حتى تلميحا، لانها تخشى كغيرها من بعض القوى السياسية من "فزاعة" المثالثة، التي لا يريد الجميع منحها بالنص "للثنائي الشيعي"، في ظل شكوى متصاعدة من النفوذ الواقعي الذي بات يصعب تجاوزه بسهولة. والاهم من ذلك، لا توجد اي مؤشرات دولية او اقليمية تدعم الخط المتصاعد مسيحيا، والذي يطالب بالانفصال تحت عناوين متعددة ابرزها الفدرالية، واللامركزية الموسعة اداريا وماليا. وحتى الآن يبدو اي خيار خارجي بتوسيع رقعة الفوضى لانتاج صيغة جديدة غير مضمون النتائج، وكان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله واضحا عندما هدد بنقل المعركة الى الحدود الجنوبية لا الغرق في "وحول" الداخل.
اما من يراهن على قيام "اسرائيل" "بقلب الطاولة" على الجميع، باعتبارها المتضرر الاول من الاتفاق، فالرد جاء من الاعلام "الاسرائيلي" الذي يرى انها في موقف ضعف اكثر من اي وقت مضى، ووفقا لصحيفة "هآرتس" فان الساحة السياسية "الإسرائيلية"، شهدت تبادل "لكمات" بين يئير لبيد وبنيامين نتنياهو حول مسؤولية الاخفاق، وسخرت منهما بالقول" وكأنهما مسؤولان عن السياسة الخارجية للسعودية، او كأنهما يستطيعان فرض على الرئيس الأميركي خطواته، وكأنه يمكنهما ايضا رسم صورة الشرق الاوسط.
ورأت الصحيفة ان "إسرائيل" تتخذ موقفاً دفاعياً غير ضروري في مواجهة استئناف العلاقات بين طهران والرياض، بينما ينتظر السيد حسن نصرالله والرئيس السوري بشار الاسد الأنباء السارة التي سيجلبها التحالف الجديد. وبرأيها، عندما تتحدث السعودية وإيران بصوت واحد عن سوريا، فأن المشاكل الشرق أوسطية تأخذ انعطافة جديدة. واذا كان لا يوجد يقين حتى الآن أن إيران والسعودية ستنجحان في إملاء من سيكون الرئيس القادم في لبنان، لكن احتمالية ذلك أكبر من أي وقت مضى.
امام هذه المعادلة، تبدو بكركي في سباق مع الوقت لمحاولة ترتيب "البيت المسيحي" والوصول الى موقف موحد، اقله حول اسم مرشح يمكن "القتال" من اجله، كيلا تضطر لاحقا الى القبول بالامر الواقع الذي قد يتم فرضه مجددا بادوات مسيحية مرة جديدة. ووفقا لاوساط مطلعة، لا تبدو البطريركية مطمئنة الى مواقف كل الاحزاب المسيحية، واذا كانت تأمن جانب حزب "الكتائب" القادر على التمرد على التسويات لطبيعة حجمه ودوره النيابي السياسي، الا انها لا تبدو واثقة من "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" اللذين قد يتسابقا على عقد صفقات من تحت "الطاولة" اذا شعرا ان رياح التسوية قد هبت حقا وباتت امرا واقعا.
وتحت عنوان الواقعية السياسية، وهي "انتهازية" مقنعة، سيسعى الطرفان الى الحضور والجلوس حول "الطاولة" لحجز مقعد في العملية السياسية التي ستحكم البلاد اقله للفترة الرئاسية المقبلة، واذا كانت التغطية السعودية مؤمنة للتفاهمات المفترضة، وبغياب "فيتو" اميركي، لا يزال البعض يراهن عليه "لخربطة" التسوية، فان "الف باء" السياسة يفيد بأن احد الطرفين المسيحين الاقوى نيابيا سيؤمن الخرق المطلوب لتمرير التسوية، مقابل الحصول على اكبر قدر من المكاسب، والاكثر حنكة وذكاء هو من يصل اولا. اما اذا تعطلت التفاهمات الاقليمية، فيبقى الفراغ اللبناني مفتوحا على كل الاحتمالات السيئة؟!
إبراهيم ناصرالدين - الديار



