العالم
"حرب السفن".. "أسطول الظل" يفتح جبهات جديدة للمواجهة بين روسيا وأوروبا

تصاعد التوتر بين أوروبا وروسيا، خلال الأشهر الماضية، على مختلف الأصعدة، فيما عادت "حرب السفن" في بحر البلطيق والبحر الأسود والقطب الشمالي، إلى واجهة النزاع، إذ تحولت البحار من ممرات تجارية إلى ساحات مواجهة غير معلنة. وتعتمد روسيا على ما يعرف بـ"أسطول الظل"، فيما ترد بروكسل بمصادرة السفن واعتراضها.
وبرزت "حرب السفن" مجدداً عندما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين، أن النرويج احتجزت سفينة روسية في القطب الشمالي تنفيذاً لمطالبة بقيمة 4.22 مليار دولار لصالح شركة الطاقة الأوكرانية "نافتوجاز"، لترد موسكو باستدعاء السفير النرويجي احتجاجاً على احتجاز السفينة.
ويأتي التحرّك النرويجي وسط أحداث متصاعدة، إذ حذّر حلف شمال الأطلسي "الناتو" والمفوضية الأوروبية من أن روسيا أصبحت "متهورة" بشكل متزايد وتعهدا بالرد على "الوضع الجديد"، وذلك في أعقاب اتهام برلين لموسكو بمحاولة شن هجوم بمسيرات على مطار لايبزيج.
في المقابل، تنفي روسيا، التي تدهورت علاقتها مع الغرب منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، تورطها وتطالب بأدلة، وتقول إنها سترد على ما وصفه المتحدث باسم وزارة خارجيتها بأنه "إجراء معادي لروسيا".
سفالبارد.. جبهة جديدة
وامتدت "حرب السفن" إلى القطب الشمالي، حيث احتجزت أوسلو، الأربعاء، السفينة الروسية Professor Molchanov في أرخبيل سفالبارد، حيث تستند المطالبة إلى حكم تحكيمي صدر في لاهاي في عام 2023 يلزم روسيا بدفع تعويضات عن مصادرة أصول الشركة بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014.
وقالت وزارة الخارجية الروسية إن السفينة، التابعة لوكالة الأرصاد الروسية Rosgidromet، كانت تستخدم في رحلات علمية وتجارية إلى قرى روسية في سفالبارد.
ووصفت موسكو الخطوة بـ"القرصنة" و"إرهاب الدولة"، واستدعت سفير أوسلو، محذرة من أن الاحتجاز يضع المواطنين والمنظمات الروسية في الأرخبيل تحت "حصار فعلي".
ويأتي الحادث وسط نشاط متزايد لـ"أسطول الظل" الروسي في طريق بحر الشمال ونقل الغاز المسال عبر القطب الشمالي، ما ينذر بتحول المنطقة إلى جبهة جديدة بين روسيا ودولة أوروبية أخرى.
ومعاهدة "سفالبارد" هي اتفاقية دولية وُقعت في باريس في عام 1920، ودخلت حيز التنفيذ عام 1925، وأقرت بسيادة النرويج على أرخبيل سفالبارد في القطب الشمالي، مع منح مواطني الدول الأطراف حقوقاً متساوية في ممارسة أنشطة اقتصادية محددة، وفرض قيود على استخدام الأرخبيل لأغراض عسكرية، من بينها حظر إنشاء قواعد بحرية أو تحصينات فيه، وفق وزارة الخارجية النرويجية.
البلطيق والمانش
وانتقلت المواجهة من العقوبات الورقية إلى الإنفاذ البحري المباشر، إذ وسع الاتحاد الأوروبي خلال العامين الماضيين عقوباته على سفن "أسطول الظل"، وهي ناقلات تقول بروكسل إنها تُستخدم للالتفاف على سقف أسعار النفط وتمويل الحرب في أوكرانيا.
وأصبحت "حرب السفن" رمزاً لمرحلة جديدة من التصعيد، حيث يختلط الاقتصاد بالسياسة العسكرية. فبينما تحاول أوروبا خنق عائدات النفط الروسية عبر العقوبات والإنفاذ البحري، تستخدم موسكو الأسطول والسفن الحربية للرد، مما يقرب الجانبين من مواجهة مباشرة.
وبدأت المواجهات تتصاعد منذ أواخر عام 2024، حين بدأت الدول الأوروبية في بحري البلطيق والمانش (القناة الإنجليزية) بمصادرة سفن "أسطول الظل" المشتبه في تسجيلها "المزيف أو دورها في التخريب".
وسجلت تقارير 8 عمليات احتجاز أوروبية على الأقل حتى أوائل 2026، شملت صعود قوات خاصة على متن سفن مثل Vlieborg وEagle S.
في المقابل، ردت روسيا بإرسال سفن حربية لمرافقة الناقلات، مثل الفرقاطة Boiky التي رافقت سفناً عبر "القناة الإنجليزية"، وفق موقع acleddata.
البحر الأسود
وانتقلت المواجهة إلى البحر الأسود، حيث تحولت السفن التجارية إلى أهداف مباشرة، حيث شنت أوكرانيا هجمات بطائرات مسيرة سطحية على ناقلات "أسطول الظل"، بما في ذلك عمليات في المياه التركية وبحر آزوف، أصابت عشرات السفن في يوليو 2026 وحده، فيما ردت موسكو بتكثيف الهجمات على موانئ أوديسا والسفن المحملة بالحبوب.
وفي يوليو وأغسطس 2026، سجلت تقارير هجمات متبادلة على أكثر من 200 سفينة تجارية، مع إصابات في طواقم أوروبية وتركية وهندية، وفق وكالة "رويترز".
وأدى ذلك إلى انخفاض صادرات الحبوب الأوكرانية والروسية بشكل حاد، مهدداً الأمن الغذائي العالمي، ورفع أسعار القمح.
وهدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرد على السفن الأوروبية، بينما عزز حلف الناتو من عملياته مثل Baltic Sentry لحماية البنية التحتية في منطقة البلطيق، بحسب مجلة "بوليتيكو".
قطع الكابلات البحرية
وتفاقمت التوترات في البلطيق مع تكرار حوادث تضرر كابلات الكهرباء والاتصالات تحت البحر. ففي ديسمبر 2024، أعلنت الحكومة الفنلندية تضرر كابل الكهرباء Estlink 2 مع إستونيا داخل المنطقة الاقتصادية الفنلندية، مشيرة إلى الاشتباه في ارتباط الناقلة Eagle S، التي ترفع علم جزر كوك، بالحادث.
وقالت الحكومة الفنلندية لاحقاً، إن السلطات تصرفت سريعاً لمنع أضرار إضافية في خليج فنلندا، قبل أن تنهي الشرطة تحقيقها الجنائي في يونيو 2025، مع الاشتباه في ضباط كبار على متن Eagle S بارتكاب أضرار جنائية جسيمة والتدخل في الاتصالات.
ودفع ذلك حلف الناتو إلى إطلاق عملية Baltic Sentry في يناير 2025 لتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية تحت البحر، عبر زيادة الوجود البحري في البلطيق واستخدام فرقاطات وطائرات دورية بحرية ومسيّرات بحرية، مع دمج قدرات المراقبة الوطنية للدول الحليفة.
وتكررت الحوادث في 2025 و2026، مع احتجاز سفن مثل Vlieborg بعد قطع كابل بين هلسنكي وتالين، وسط اتهامات بتخريب يستهدف البنية التحتية الحيوية لأوروبا.
من الاعتراض إلى المرافقة العسكرية
وفي مايو 2025، حاولت إستونيا اعتراض الناقلة Jaguar، فردت روسيا بانتهاك مقاتلة من طراز Su-35 للمجال الجوي الإستوني لمرافقة السفينة.
وأعلنت موسكو لاحقاً رسمياً نيتها مرافقة سفن "أسطول الظل" بسفن حربية، معتبرة الإجراءات الأوروبية "قرصنة".
ووصلت التوترات إلى ذروتها عندما أطلقت الفرقاطة الروسية Admiral Grigorovich طلقات تحذيرية باتجاه يخت مدني في القناة الإنجليزية في عام 2026، وفق موقع re-russia.net.
وبذلك باتت "حرب السفن" جزءاً من نمط أوسع من صراع "الحرب الهجينة" بين روسيا والغرب، حيث تختلط العقوبات بحماية البنية التحتية وملاحقة الأصول والردع البحري، في بيئة تزيد فيها احتمالات الخطأ أو سوء الحساب بين قوات عسكرية وسفن تجارية تعمل في مساحات متقاربة.
ووفق تقارير غربية عدة، تحول "أسطول الظل" إلى منصة للتجسس والعمليات الهجينة ضد أوروبا. وثقت تقارير مراقبة صراعات مثل ACLED، عشرات الحوادث التي يُشتبه في إطلاق طائرات مسيرة استطلاعية أو مزودة بمتفجرات من سفن الأسطول فوق مطارات وقواعد عسكرية ومنشآت حيوية في ألمانيا والدنمارك والنرويج وبلجيكا وبريطانيا خلال 2025-2026.
ومن أبرز الأمثلة حادث مطار لايبزيج في أغسطس 2026، الذي اتهمت برلين موسكو بالمسؤولية عنه، إلى جانب حالات رصد مسيرات من سفن قرب حاملات طائرات أو قواعد نووية.
كما تُتهم سفن بحثية روسية برسم خرائط للكابلات والأنابيب تحت البحر، بينما يتكرر التشويش على أنظمة الملاحة GPS قرب بحر بارنتس والبلطيق. هذه الأنشطة تجعل "أسطول الظل" الروسي أداة مزدوجة من خلال تمويل الحرب عبر النفط، وجمع المعلومات الاستخباراتية واختبار الدفاعات الأوروبية في الوقت نفسه، بحسب الاتهامات الأوروبية، مما يرفع احتمالات التصعيد غير المقصود بين الجانبين.
آخر الأخبار

بانخفاض 10% عن العام الماضي.. حركة المطار في آب الأكثر ارتفاعاً منذ بداية العام

باسيل: سنطعن بقانون العفو العام... احتراماً للشهداء

اللواء شقير من معبر العبودية: جاهزون للافتتاح


