العالم
عاصفة أم سم بطيء؟.. قضية بارديلّا تهدد حملة لوبان الرئاسية في فرنسا

لم تتأخر مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، في الرد على تحقيق صحفي نشره موقع "ميديابارت" الاستقصائي، ونسب إلى رئيس الحزب جوردان بارديلّا، رسائل خاصة تتضمن عبارات معادية للسامية تعود إلى سنوات مراهقته.
وصفَت لوبان الأمر بأنه "جنون لا يمكن لأحد تصديقه"، لكن القضية سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية دفعت قيادة الحزب إلى التحرك للدفاع عن رئيسه، قبل نحو سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
وتكتسب الاتهامات حساسية خاصة؛ لأنها تمس صورة بارديلّا التي حاول التجمع الوطني تقديمها باعتبارها تجسيداً لجيل جديد من الحزب، بعيداً عن إرث الجبهة الوطنية وماضي جان-ماري لوبان.
تكذيب قاطع
وبحسب موقع "ميديابارت" الاستقصائي، الذي أكد أنه وثّق هذه الرسائل، أن بارديلّا أكثر من كتابات معادية للسامية عام 2013 حين كان في 17 و18 من عمره، معتبراً وفق الرسائل المنسوبة إليه أن "اليهودي يجب أن يُهيمن على الشعوب الأخرى، يسحقها ويسرقها، والصهيوني يهودي بالضرورة وبعمق"، إلى جانب حديث عن "نظام عالمي جديد تُهيمن عليه إسرائيل".
هذه التصريحات، رغم مرور 15 عاماً عليها، تتناقض جذرياً مع استراتيجية "التطبيع" التي تتبعها لوبان منذ توليها قيادة الجبهة الوطنية عام 2011، بل تُعيد إحياء خطاب جان-ماري لوبان، الأب المؤسس الذي أدين مراراً بسبب تصريحاته المنكرة للمحرقة والمعادية لليهود.
ندّد يوناتان أرفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، بالقول: "معاداة السامية في التصريحات المنسوبة لبارديلّا تكذيب قاطع لاستراتيجية التطبيع التي يتبعها التجمع الوطني"، معتبراً أن هذه الكتابات "تُسقط أي ادعاء بمكافحة معاداة السامية".
سمٌّ بطيء
لا تُخطئ الصحافة الدولية في توصيف الحدث؛ إذ وصفته صحيفة "إيل جورنالي" الإيطالية بأنه "صاعقة" تُعيد إحياء أشباح الحزب القديمة.
فيما يرى "هافينغتون بوست" أن تحقيقات "ميديابارت"، إن استمرت بالتوالي كما توقّع بارديلّا نفسه، مساء الاثنين، ستعمل كـ"سمّ بطيء" للوبان؛ إذ ستضطر للتوقف عند ماضي نائبها الأول، المُرشَّح لتولي رئاسة الوزراء في حال وصول الحزب للسلطة، في كل محطة من حملتها.
ويُذكّر الموقع بسابقة "الخراف الجرباء" في تشريعيات 2024، حين ساهمت تصريحات عنصرية ومعادية لليهود ومؤامراتية لبعض مرشحي الحزب في منعه من الحصول على أغلبية برلمانية.
تناقضات زمنية
كذلك يكشف "هافينغتون بوست" عن مفارقة لافتة: أعلنت لوبان، الاثنين، أنها اكتشفت الاتهامات ضد نائبها للتو، بينما كان بارديلّا نفسه ومدير مكتبه على علم بتحقيقات "ميديابارت" منذ عصر السبت، حين تواصلت الصحيفة معه لطلب تعليقه.
أمام هذا التناقض، يطرح التقرير احتمالين: إما أن لوبان لا تقول الحقيقة، أو أن محيط بارديلّا لم يرَ داعياً لإطلاع رئيسته على ما هو قادم. رغم ذلك، أكدت نائبة با-دو-كاليه، دعمها "الكامل" لرجلها الثاني.
ويُوضّح "بارلون بوليتيك" أن بارديلّا رفض الاتهامات جملة وتفصيلاً، واصفاً إياها بمحاولة زعزعة استقرار، وأعلن أن محاميه تقدّم بشكوى تشهير.
في المقابل تبنّى التجمع الوطني دفاعاً جماعياً، حيث نددت عدة شخصيات بارزة في الحزب بعملية تستهدف منع تقدمهم نحو 2027، ووصفت لوبان القضية بأنها "تلاعب" و"عملية قذرة".
هذه الاستراتيجية تحمل ميزة فورية: تُوحّد الصفوف وتُحوّل النقاش من مضمون الرسائل المنسوبة لبارديلّا إلى أساليب الإعلام ومصادره، واحتمال وجود هجوم سياسي منظم.
لكنها تحمل أيضاً خطراً؛ فشكوى التشهير لا تحسم تلقائياً مسألة صحة الوثائق، بل تفتح ساحة مواجهة أخرى. إن ظهرت عناصر جديدة، قد يُضطر الحزب للإجابة عن أسئلة دقيقة حول ماضي رئيسه بدلاً من الاكتفاء بالتنديد بمناورة مزعومة.
تأثير متفاوت
يُحلّل "بارلون بوليتيك" أن التأثير لن يكون موحداً بين الفئات الانتخابية. الناخبون الأوفياء للحزب يعرفون بالفعل الاتهامات التي طالت تاريخه، وقد يعتبرون هذه القضية هجوماً جديداً من النوع ذاته، فيُعزّزون دعمهم باسم "النظام" الذي يُنددون به.
لكن الوضع مختلف بالنسبة للناخبين الأحدث عهداً بالحزب، من الطبقات الشعبية والموظفين والمستقلين وناخبي اليمين الذين لا يُعرّفون أنفسهم مناضلين في اليمين المتطرف؛ عند هؤلاء، قد يُثقل تراكم الجدالات على الثقة، خصوصاً إذا جاءت أدلة إضافية تؤكد الاتهامات.
وذكر وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، بأن معاداة السامية لا يمكن معاملتها كمجرد "حادث عابر" في تاريخ الحزب، وهي قراءة يرفضها التجمع الوطني، الذي يُشدد على سنّ بارديلّا وقت الوقائع المزعومة -كان في السابعة عشرة دون أي منصب قيادي- رغم أن السن وحده لا يحسم مسألة صحة الوثائق ولا تطوّر قناعات الشخص المعني.
معركة مصداقية
بالنسبة لبارديلّا، الرهان يتجاوز الجدل الحاضر؛ إذ يرى "بارلون بوليتيك" أن عليه الحفاظ على صورة بُنيت حول التطبيع وإتقان الرموز المؤسساتية وجيل مختلف عن كوادر الجبهة القديمة.
أما بالنسبة للوبان، فالرهان استراتيجي أيضاً: تجنب أي شرخ بين أنصار ترشحها ومن يريدون تثبيت بارديلّا مرشحاً طبيعياً للحزب. دفاع ضعيف جداً قد يُضعف خليفتها المحتمل، ودفاع آلي جداً قد يُعطي انطباعاً بأن الحزب يتخلى عن فحص الوقائع.
وستتوقف التطورات المقبلة على ما إذا كانت ستظهر وثائق أو عناصر جديدة في القضية، وعلى كيفية تعامل بارديلّا والتجمع الوطني معها. كما ستكون ردود فعل الناخبين موضع متابعة إذا استمر الجدل خلال الفترة المقبلة.
ويبقى موقع بارديلّا داخل الحزب وترشحه المحتمل للاستحقاق الرئاسي من الملفات التي قد تتأثر بتطور القضية، خصوصاً إذا استمرت الاتهامات أو ظهرت معلومات جديدة بشأنها.
آخر الأخبار

مجلس الوزراء يعدّل بدل النقل: 5 ليترات بنزين يوميًا بحدّ أقصى 800 ألف ليرة

هاتواي تختار لقب "نيكس" على حساب جائزة الأوسكار

سونيا مورغان توضح سبب إبعادها للرجال عن زميلاتها في RHONY


