العالم

أثار رفض بولندا استضافة رؤوس نووية على أراضيها خلافاً داخلياً حول موقعها في منظومة الردع النووي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في وقت تتصاعد المخاوف الأوروبية من مواجهة محتملة مع روسيا التي حذّرت مصادر إعلامية من أنها قد تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، وسط تزايد التساؤلات بشأن مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية.
ونقلت صحيفة «نيوزويك» أنه بعد اجتماع مع وكيل وزارة الحرب الأمريكية لشؤون السياسة إلبريدج كولبي الخميس، سأل صحفيون باويل زاليفسكي، نائب وزير الدفاع البولندي، عما إذا كانت وارسو ستسعى إلى الانضمام إلى برنامج المشاركة النووية التابع للناتو، وما إذا كان ذلك قد يشمل نشر رؤوس نووية أمريكية على الأراضي البولندية.
ورد زاليفسكي بقوله: «لا. أود أن أقول هذا بوضوح وصراحة: بولندا لا تريد رؤوساً نووية على أراضيها»، في ظل تأكيد الحكومة البولندية رغبتها في الانضمام إلى المهمة النووية للناتو، ولكن دون استضافة الأسلحة نفسها على أراضي البلاد.
وأثار هذا التمييز خلافاً سياسياً داخلياً، إذ واجهت تصريحات زاليفسكي انتقادات من شخصيات موالية للرئيس البولندي كارول ناووركي، زعيم حزب القانون والعدالة اليميني.
وتُعرف تسع دول فقط في العالم بامتلاكها برامج أسلحة نووية خاصة بها، ثلاث منها أعضاء في حلف الناتو، هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. لكن خمس دول أخرى أعضاء في الحلف تستضيف أسلحة نووية أمريكية على أراضيها بموجب برنامج المشاركة النووية، هي بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا.
ووُضع البرنامج في خمسينيات القرن الماضي لمواجهة التفوق العسكري التقليدي للاتحاد السوفياتي في أوروبا، تحسباً لتحول الحرب الباردة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ولا تشارك جميع دول الناتو غير النووية في هذا البرنامج، وهو ما يعكس الحساسية السياسية والعسكرية المحيطة به.
وشاركت كندا واليونان في البرنامج سابقاً ثم انسحبتا منه، وعارضت الدانمارك والنرويج صراحة نشر الأسلحة النووية على أراضيهما.
وتحظر شروط انضمام إسبانيا إلى حلف الناتو عام 1982 استضافة أسلحة نووية على أراضيها. أما فرنسا، التي تمتلك ترسانتها النووية الخاصة، فهي العضو الوحيد في الحلف الذي لا يشارك في مجموعة التخطيط النووي الأوسع نطاقاً التابعة للناتو.
أما بولندا، الواقعة في الجناح الشرقي للحلف في مواجهة روسيا، فقد برزت بصورة متزايدة بوصفها قوة عسكرية رئيسية في القارة منذ أن أصبحت، عام 1989، أول دولة تنفصل عن الكتلة الشرقية الشيوعية، قبل عامين من سقوط الاتحاد السوفياتي.
وتمتلك اليوم ثالث أكبر جيش في حلف الناتو، بعد الولايات المتحدة وتركيا، كما تخصص للدفاع أكبر نسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين دول الناتو، وتبلغ 4.3%. وهي تشترك في حدود جغرافية مع أوكرانيا وجيب كالينينغراد الروسي وبيلاروسيا حليفة موسكو.
وقد يكون العام الحالي أكثر خطورة بالنسبة لبولندا، في ظل سعي الكرملين إلى زيادة الضغط على الناتو، بالتزامن مع تباطؤ التقدم الروسي في أوكرانيا والحملة المكلفة التي تشنها كييف بهجمات بعيدة المدى على البنية التحتية للغاز الروسي.
وتزايدت حدة التقارير التي تتحدث عن احتمال تخطيط موسكو لتصعيد الموقف، سواء عبر حشد جديد أو حتى تنفيذ عمليات عسكرية على أراضي دول حلف الناتو، لا سيما بعد زيارة مفاجئة أجراها رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف لموسكو مطلع الأسبوع. ونقل موقع «بلومبيرغ» عن مصادر مقربة من الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين قد يختار استخدام الأسلحة النووية التكتيكية لحسم الحرب.
وفي ظل هذه المخاوف، نقلت «نيوزويك» عن محللين قولهم إن نشر أسلحة نووية أمريكية على الأراضي البولندية قد يسهم في تعزيز الردع وإقناع روسيا بأن الولايات المتحدة وحلف الناتو يفكران جدياً في الرد بالأسلحة النووية على أي هجوم نووي على الجناح الشرقي للحلف.
وقد تبدو خطوة انضمام بولندا لبرنامج المشاركة النووية تهديداً مباشراً لروسيا التي ستقدم مثل تلك الخطوة دليلاً على تهديدات الناتو وأمريكا لها.



