تكنولوجيا وعلوم

لطالما تصوّرنا أن الحيوان المنوي يسبح ببساطة عبر السائل، مستخدمًا ذيله ليدفع نفسه في طريقه نحو البويضة. لكن اكتشافًا جديدًا من باحثين في جامعة موناش الأسترالية قلب هذا المفهوم رأسًا على عقب، كاشفًا عن رقصة معقدة ومتناغمة داخل السائل تمنحه قوة دفع خارقة.
فالحيوان المنوي لا يسبح فقط، بل يخلق تيارات حلزونية أشبه بالبراغي الدوارة، تلتف حول جسمه وتدور بتناغم تام معه، مما يعزز سرعته ويمنحه القدرة على الحفاظ على مسار مستقيم ودقيق.
يشرح الأستاذ رضا نصرتي من جامعة موناش هذه الظاهرة قائلاً: "تخيل أنك تمسك بشريط مطاطي مستقيم وتقوم بلفّه إلى شكل حلزوني، ثم تضيف لفة أخرى لتخلق هيكلًا فائق الالتفاف، يُسمى بالسوبر-حلزون. هذا بالضبط ما يحدث مع الحيوان المنوي، حيث يشكل ذيله هذه التدفقات اللولبية في السائل المحيط، لتزيد من فعالية حركته."
هذا الاكتشاف يُعد قفزة كبيرة في فهم كيفية حركة الحيوان المنوي. الدراسات السابقة ركزت على حركته قرب الأسطح، لكن هذه الدراسة هي الأولى التي تصور حركة الذيل بالكامل وتُعيد بناء المجال السائل ثلاثي الأبعاد حول الحيوان المنوي باستخدام تقنيات تصوير متقدمة.
المصدر الأساسي لهذه الحركة المذهلة هو الذيل أو "السوط"، حيث يولّد هذا الذيل موجات متكررة تؤدي إلى تيارات سائلة لولبية تشبه البراغي تدور حول الحيوان المنوي وخلفه. الأروع أن هذه التيارات لا تنفصل عنه، بل تلتصق بجسمه وتدور معه في انسجام، مما يوفر له قوة دفع إضافية.

ويضيف نصرتي: "هذا التناغم بين التيارات السائلة وجسم الحيوان المنوي يمنحه ميزة ميكانيكية غير متوقعة، حيث يمكنه الحفاظ على الطاقة مع الاستمرار في التحرك بسرعة واتجاه واضح."
أما أهمية هذا الاكتشاف فلا تقتصر على الجانب العلمي فحسب، بل تمتد لتؤثر على دراسات الخصوبة. إذ يمكن أن تؤثر هذه التيارات على كيفية تفاعل الحيوان المنوي مع الأسطح، أو مع الحيوانات المنوية الأخرى، أو حتى مع البويضة، مما قد يكون له دور حاسم في نجاح عملية التلقيح.
وقال نصرتي: "حجم وقوة هذه التيارات قد يكون لها تأثير كبير على كيفية تفاعل الحيوان المنوي مع البويضة أو حتى على احتمالية حدوث التخصيب."
وقد تم هذا البحث بالتعاون بين مختبر الميكروفلويديات الحيوية بجامعة موناش ومجموعة ميكانيكا السوائل في جامعة ملبورن، وفتح بابًا جديدًا لفهم ديناميكا السوائل على مستوى مجهري.
وبينما ركزت الدراسة على الحيوانات المنوية البشرية، إلا أن النتائج تُسلّط الضوء أيضًا على حركة كائنات دقيقة أخرى مثل البكتيريا، وتفتح آفاقًا في فهم كيفية تنقّلها أو التصاقها بالأسطح، مما قد يساعد لاحقًا في كشف أسرار العدوى وتكوّن الأغشية البيولوجية.
باختصار، الحيوان المنوي ليس مجرد سبّاح بسيط، بل هو مهندس حركي ماهر ينسج لولبًا مائيًا حوله، ليشق طريقه بقوة ودقة نحو الحياة.