ثقافة ومجتمع
الإهانات اللفظية تعيد تشكيل المعايير الاجتماعية وتؤثر في الصحة النفسية
كشف تحليل نفسي أن الإهانات التي تستهدف الهوية أو المظهر الجسدي لا تضر بالضحية فحسب، بل تطبيع السلوك العدواني لدى الجمهور العام.

تتجاوز أضرار السب والشتم التأثير السلبي على المستهدف المباشر، لتصل إلى إرسال إشارات ضمنية للجمهور حول ما يُعتبر سلوكاً مقبولاً اجتماعياً. ربطت الأبحاث الحديثة بين الإهانات التي تستهدف الهوية والشعور بالعار، مشيرةً إلى أن insults الموجهة لأجساد النساء تعزز مفهوم "التشييء الذاتي". كما تعمل الإهانات العلنية كإطار مرجعي يحدد حدود القبول الاجتماعي للمستمعين.
حالات بارزة من الخطاب العام
في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، استضاف الكوميديان شين غيليس برنامج "Saturday Night Live"، حيث استخدم مونولوجه لوصف نساء يرتدين ملابس رياضية قصيرة في الصالات الرياضية بكلمة نابية. أثارت هذه التصريحات ردود فعل فورية، إذ علق الممثل والكاتب دان ليفي عبر إنستغرام بأن الملابس القصيرة لا تجعل النساء منحرفات، بل تجعل الرجال الذين يطلقون هذه الأوصاف متحيزين ضد الجنس الآخر.
جاء تعليق غيليس في وقت حساس، وسط جدل محتدم في الولايات المتحدة حول قضية جامعة كورنيل، وهي دعوى مدنية تتهم فيها طالبة سابقة (تُعرف باسم جين دو) سبعة رجال بتخديرها واغتصابها في حفلة تابعة لجمعية طلابية. يتداخل هذا النقاش مع سؤال قديم حول مسؤولية المرأة عن الاعتداء عليها بناءً على مظهرها وخياراتها، وهو ما لامسه مزاح غيليس بشكل مباشر.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على المنصات الترفيهية؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وعلى متن طائرة الرئاسة الأمريكية، سألت كاثرين لوسي من وكالة بلومبرغ الرئيس دونالد ترامب عن بريد إلكتروني مرتبط بجيفري إبستين. أشار ترامب إليها قائلاً: "اصمتي يا خنزيرة". لم تعتذر البيت الأبيض، بل اتهمت الصحفية بعدم المهنية. وقد سبق لترامب استخدام هذا اللقب، حيث ذكرت ملكة جمال الكون السابقة أليشيا ماتشادو أنه أطلق عليها لقب "Miss Piggy".
الأثر النفسي للإهانات
لا يقتصر الأمر على الرجال فقط؛ فقد وصفت مقدمة البودكاست ميغن كيلي المرأة في مركز قضية كورنيل بأنها "ليست الأكثر جاذبية". وعندما أبدت المغنية أوليفيا رودريغو دعمها لجين دو، وصفها كيلي بأنها "حمقاء جاهلة" وطالبتها بالصمت والاكتفاء بالغناء. تشير نظرية التشييء إلى أن تقليل قيمة النساء مراراً وتكراراً إلى مظهرهن يدفع العديد منهن للنظر إلى أنفسهن من خلال هذه العدسة، مما يرتبط بالشعور بالعار والقلق والاكتئاب، وفقاً لدراسة أجراها فريدريكسون وروبرتس عام 1997.
على عكس المثل القائل بأن "العصا والحجر قد يكسران عظامي، لكن الكلمات لن تؤذيني أبداً"، تظهر الأدلة العلمية خلاف ذلك. في دراسة عام 2006 شملت 554 شاباً، وجد طبيب النفس مارتن تايشير في مستشفى ماكلين التابع لجامعة هارفارد أن التعرض للعنف اللفظي من الوالدين أثناء الطفولة له تأثيرات معتدلة إلى كبيرة على الاكتئاب والقلق والتفكك الذهني. وكشفت متابعة لاحقة أن الإساءة اللفظية من الأقران مرتبطة بأعراض نفسية أعلى وفروقات قابلة للقياس في المادة البيضاء للدماغ.
آليات الضرر والسياق الاجتماعي
يعتمد مدى إيذاء الاسم المستهدف على طبيعة الهجوم؛ إذ يفرق علماء النفس بين نقد السلوك والحكم على الذات. تُظهر أبحاث الخجل والذنب أن الشعور بالسوء حيال فعل معين يحفز الإصلاح، بينما الشعور بالسوء حيال الهوية الذاتية يرتبط بالاكتئاب والغضب الدفاعي. مثال على ذلك الفرق بين عبارة "ما فعلته كان أنانياً" (نقد سلوك) وعبارة "أنت أناني" (حكم على الذات).
يعد السياق عاملاً حاسماً أيضاً؛ فقد تكون المقاطعات والأسماء الدلالية عاطفية أو قاسية حسب العلاقة والنوايا. يبلغ الضرر ذروته عندما يكون الاسم غير مرغوب فيه ويستهدف جانباً مركزياً من الهوية. يروي الكاتب فرانك سبينيلي تجربته الشخصية في الصف السادس، حيث أطلق زميله عليه لقب "سبينيلي كريهة الرائحة". لم يسبب هذا ضرراً كبيراً لأنه لم يعتقد يوماً أنه شخص ذو رائحة سيئة. في المقابل، كان لقب "مثلي الجنس" مؤذياً للغاية لأنه وصف هويته بدلاً من سلوكه، مما جعله يشعر بالتقلص كلما سمع الكلمة.
يشرح عالم النفس الاجتماعي توماس فورد هذه الديناميكيات عبر "نظرية المعيار المتحيز". يميل الأشخاص ذوو الآراء المتحيزة إلى الصمت خوفاً من الاستنكار الاجتماعي، لكن الفكاهة المهينة تخفف هذا الخوف بإشارة مفادها أن الأمر "طبيعي" وأن المزاح مجرد دعابة. لم يخترع الأطفال الذين نادوه بهذا اللقب التحيز في الفصل، بل أعطوا الآخرين الإذن بالتعبير عنه.
تشير أعمال فورد إلى أن الكوميديان يستحقون التدقيق لأن إطار المزاح يُجرد الناس من دفاعاتهم. لكن الهزل ليس الطريقة الوحيدة لمنح الإذن؛ فالوضع الاجتماعي يلعب دوراً مماثلاً. بعد انتخابات عام 2016، أصبح الأمريكيون أكثر تقبلاً للتعبير عن التحيز تجاه المجموعات التي استهدفها ترامب. عندما يستخدم رئيس أو مقدم بودكاست كلمة مسيئة، فإن الرسالة الواضحة هي: "الناس مثلي يقولون هذا طوال الوقت ولا يحدث شيء".
يجب محاسبة شين غيليس والمنتجين الذين بثوا تصريحاته، لكن التركيز يجب أن يتسع ليشمل الصورة الأكبر. نعيش في ثقافة أصبحت فيها الإهانات اللفظية نسخة ناضجة من الردود السطحية في ساحات المدارس. تتدفق هذه الكلمات من المنصات الرئاسية والبودكاست والمؤتمرات الصحفية، وكل إهانة تسهل التالية. تلحق الكلمات ضرراً حقيقياً بالمستهدفين وتغير بصمت معايير القبول لدى الجميع. لذا، يجب توجيه التدقيق نحو أصحاب النفوذ الذين تحمل كلماتهم وزناً أكبر بكثير.
آخر الأخبار

"المكتب 39".. أسرار الوعاء المالي والتسليحي لحزب الله في كوريا الشمالية

اشتباكات بين الشرطة الإيطالية ومحتجين في ميلانو وبولونيا

ترامب: عمليات إيران ستنتهي قريباً وانخفاض متوقع لأسعار الوقود


