fbpx
يونيو 14, 2024 11:18 ص
Search
Close this search box.

«فلوبير» كاتبٌ شرّع شبابيك الحياة الزجاجيّة للشمس

ممّا لا مراء فيه بأنّ قصص فلوبير وروايته تصبّ في خانة الانعطاف النوعيّ للأدب، وترشد مآزقه ومآسيه وموارده إلى نهاية النفق المظلم الذي قد يقع فيه الكثير من الأدباء من دون سبيلٍ للخروج منه. فهو يمثّل المجتمع بمختلف طبقاته ويمخر عبابه بانعتاقٍ كلّي من كلّ ما يقيّد حركته السرديّة الرشيقة، مشيراً إلى مطبّات الانسانيّة التي تحفل بالمعاناة الدفينة التي تكتنف كلاسيكيّات البيئة وما تدّخره في السرّ والعلن، ليتصدّر الريادة في الرواية الواقعيّة من دون أن يماري أو يدجّل أو يناظر، إذ انّ معاينته النظريّة للأشياء لم تُغنِ عن ممارسته الفعليّة لها، لذا فهو يكتب من صميم الحياة مصطدماً بقشورها الصلبة ونتوءاتها الهائلة التي تصيب المرء في مقتل.

في مجموعة قصصه «نصوص الصبا» نجدُ بأنّه يلتزم سياق الوصف التطريزيّ الذي يحبك عباراته بحسب تبدّل الطبيعة وتغيّر مشاعر الانسان، بأسلوبٍ غنائيّ ميتافيزيقيّ يجمع بين الواقع والتصوّر البعيد الذي يتّخذ من التهكّم الاجتماعيّ فلسفةً موضوعيّة يبني عليها حكمه. فهو يقرّ علناً بأنّه يحتجب عن الانثيال الدينيّ الذي يعتمده الكثيرون كمنقذٍ للملمّات العصيّة في حياتهم، ويعرّي الضعف الجسدي والنفسي الذي يتربّص بالإنسان في نواحٍ عديدة، فيمارس الفانتازيا الاحتكاريّة في تطويق تصرّفاتهم ونيّاتهم وتحرّكاتهم، فيُهَيكل أهواءهم ويعيد تركيب شخصيّاتهم لتلينَ أمام الحبكة التي يهيّئها لهم في قصصه وتوصيفه.

في المجموعة قصّة بعنوان «عطر خفي أو البهلوانات»، وهي تطوي العصور لتنطبق على كلّ زمن فيها، فقد جمع صوتين متناقضتين لبهلوانتين مواجهةً، الأولى دميمة الوجه قبيحة الجسد ومحتقرة ومعنّفة من قبل زوجها، والثانية غادة حسناء يرتوي الصبا من سحر فتنتها وعظمة أثرها على من حولها، ليجعلهما بحسب وصفه تكتويان بنار الغيرة وقد ظلّلهما سقفٌ واحد، فيدعنا نُبصر النتيجة من دون مواربة أو تعديل، وليطرح السؤال الأهم: «على من فيهما يقع الإثم»؟

لقد ترك هذا السؤال برسم التشاور والتجادل والتحدّي بين علماء الدين والفلسفة والأدب، ليهشّم مفاهيمهم التي يعزون بها إلى ضراوة القدر ومحاسن الحظ، فمرغريت هي بهلوانة لم تحظ برعاية الجمال، فتبرّأ منها، وانبرت تعضّ على جروحها الكثيرة التي خلّفها لها سوء تعامل المجتمع معها وقساوة زوجها بدريو التي تعشقه حدّ التغاضي عن تعنيفه المستمرّ لها، وقد ارتضَت بأن تجوع مع ولديهما وتتسوّل لقمة العيش على أن تهجره وتحيا دونه. كانت تشكره في سرّها بأنّه قبلها زوجة وعاش معها هذه السنين من دون أن يفكّر في هجرها. لم يتركها القدر لتنعمَ برفقته، فقد تعرّف عن طريق الصدفة الى فتاة مفرطة الحسن، وهي شابة في العشرين تدعى ايزابيلا وتعمل بهلوانة مع صديقه إيزامبار، فيتّفق الجميع على تكوين فرقة لإقامة العروض البهلوانيّة والتي تلقى نجاحاً جمّاً بفضل رشاقة ايزابيلا وبهائها.

يقع بيدرو في عشق ايزابيلا ويقيم معها في خيمتها وينجب منها طفلاً، ويهمل زوجته مرغريت أشدّ الاهمال، لتنشب المشاكل على شدّتها بينهما ويصل الأمر به بأن يرمي بزوجته إلى قفص الأسد كي يلتهمها، وينقذها صديقه إيزامبار في آخر لحظة. وتخرج من المستشفى وقد أنهكها الغضب والحزن وهدّتها المرارة وهداها تفكيرها إلى السير مترنّحة خائرة القوى في الشوارع وقد نهشها الجوع فجحظت عيناها بطريقةٍ مخيفة جعل الجميع يظنّ بأنّها مجنونة، ومَضت تعدو خلف العربات التي تمرّ من أمامها حتّى تتسوّل مالاً تقتات منه، فتقع عيناها بالصدفة على غريمتها إيزابيلا وقد جلست في عربة متهادية وتلفّعت بمعطف ثمين وتبهرجت بالألماس، فمضت لتتشبّث بمكبح العربة وتصرخ فيها لأنّها السبب فيما آل إليها حالها وفي تفريقها عن أطفالها. فتكتشف بأنّ إيزابيلا قد تبدّل حالها بعد أن لمحها سيّد من الوجهاء وقرّر أن يجعل منها مرافقته، فيسألها عن هويّة هذه المرأة المجنونة التي هرعت صوبهما لتردّ الأخيرة بأنّها مجنونة. لا تجد مرغريت حلّا لإنهاء أحزانها سوى بالانتحار فتقفز مغرقةً نفسها في نهر السين، ويتم انتشالها جثّة وتودع في المشرحة ويشتري جثّتها طالب في كليّة الطب ليجري بعض أبحاثه عليها.

في قصّة «الغضب والعجز» سخرية جارفة من التقريع التأمليّ الذاتيّ لفلسفة الايمان، والذي يوازي ويقارن بين الخير والشر في الأعمال والأفعال، ولكنّه يلقى نفس المصير ساعة البؤس والشدّة. فهو يحكي عن طبيب يدعى أوملان يعيش مع مربّيته بيرت التي نيّفت على الستّين وكانت من الفتيات اللواتي يخلصن في عملهن إلى حد أنّهن يقضين العمر بأسره في منازل أسيادهنّ، وكلبه المخلص فوكس الذي يلعق يديه كلّما رآه.

كان يشعر بألمٍ في أسنانه وقد وصف له الطبيب بعض أقراصٍ من الأفيون كي يخفّف من وجعه، فتناولها واستغرق في النوم. وفي الصباح عندما حاولت بيرت أن توقظه لم تستطع وكذلك فعل صديقه الطبيب برناردو، فاستدعى الأخير رفاقه الأطبّاء الذين شخّصوا وفاته كحالةٍ مؤكّدة، باستثناء طبيب واحد شكّ في الأمر وشعر بأنّ أوملان مخدّر ولكنّه ليس ميتاً غير أنّه لم يجرؤ على أن يعارض رأيهم خشية أن يطالبوه بدعم تكهّنه بالأدلّة. فتعلن حالة الوفاة ويذهبوا بجسده صوب المقبرة ويجري دفنه كما تقتضي التقاليد والأصول، ويمضي الجميع إلى بيوتهم وأعمالهم، وحده الكلب فوكس يقبع جاثياً جنب القبر وقد قادَته فطرته إلى الحقيقة المرعبة بأنّ سيّده لم يمت بعد. يستيقظ أوملان من رقدته الجميلة وقد تخلّلتها أحلامٌ ورديّة مشبّعة بتفاصيل مطّعمة بنشوة الحب ومسرّات العيش، ليكتشف بأنّه مدفونٌ وهو حي في قبرٍ مظلم، يحاول أن يحفر التراب الذي يتجمّع فوق رأسه ليحدث فجوةً يستطيع أن ينفذ منها إلى الخارج فيبصر الحجارة التي تكاد تقع ولكنّه لا يأبه لها، ويعرف بأنّه ميت على أيّ حال فلم لا يجرّب للمرّة الأخيرة بأن يصعد نحو النور والحياة. غير أنّ الحجارة لا تلبث أن تسقط فوق رأسه لتهشّمه وعلى شفاهه تقبع ابتسامة السخرية التي تهزأ من معتقداته القديمة بأنّ السماء جديرة بإنقاذه ولكنّه لم يلق غير التجديف والقسوة واليأس. بعد موته الفعلي يكتشف جثّته حفّار القبور الذي يشكّ بحركة غير اعتياديّة في المقبرة، وتعلم بيرت بالأمر فتهيم على وجهها في أزقّة القرية مُجتازة طريق المقبرة وهي تبكي حتّى ينعتها الجميع بالمجنونة، ويغادر فوكس المقبرة وقد شلّه الحزن ليرديه صيّادون نزقون برصاصةٍ على سبيل اللهو.

هكذا، يشرّع فلوبير بلهجةٍ مفعمة بالمرارة شبابيك الحياة أمام أبصارنا بترانيم خاشعة، لينعتق من أسر الرصانة والحصافة ويسمو مترفّعاً عن كلّ الترهات الشائكة والمزايدات الزائلة التي تعيق المرء عن تبصّر الحقيقة، ويقدّم لنا الشمس عبر واجهاتٍ زجاجيّة الطلاء، لتكشف لنا كلّ ما توارى عن عالم الواقع.

نسرين بلوط – الجمهورية

اقرأ أيضا