اقتصاد

للمرة الأولى، تخضع الشركات الكبرى متعددة الجنسيات للحد الأدنى العالمي من الضرائب، مع بدء تنفيذ إصلاحات ضريبية تاريخية عابرة للحدود، تهدف إلى جمع ما يصل إلى 220 مليار دولار من الإيرادات السنوية الإضافية.
وبعد نحو ثلاث سنوات من توصّل 140 دولة إلى اتفاق لسد الثغرات الواضحة في النظام الضريبي الدولي، بدأت بعض الاقتصادات الكبرى اعتباراً من يناير في تطبيق معدل ضريبي فعلي، لا يقل عن 15 % على أرباح الشركات.
وبموجب مجموعة من القواعد المتشابكة، فإنه إذا فُرِضت ضرائب على أرباح الشركات متعددة الجنسيات بمعدل أقل من هذه النسبة في بلد ما، سيكون بإمكان الدول الأخرى فرض ضريبة إضافية. وتُقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي قادت هذه الإصلاحات، أنها ستزيد الإيرادات الضريبية السنوية بنسبة تصل إلى 9 %، أو ما يعادل 220 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم.
وأشاد جيسون وارد، المحلل الرئيسي في مركز المساءلة الضريبية للشركات الدولية ومجموعة الضغط البحثية، «بالتصميم الذكي للغاية» للإصلاح. وقال: «سيُقلل ذلك من حوافز الشركات لاستخدام الملاذات الضريبية وحوافز الدول لتكون ملاذات ضريبية»، مضيفاً أنها «تكبح بجدية جماح ما كان يُمثل سباقاً نحو القاع».
وتتضمن المجموعة الأولى من الدول التي تُطبق الحد الأدنى العالمي للضريبة، اعتباراً من يناير، الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والنرويج وأستراليا وكوريا الجنوبية واليابان وكندا. وستُطبق القواعد على الشركات متعددة الجنسيات التي تزيد عائداتها السنوية على 750 مليون يورو.
كما ستشارك في التطبيق عدة دول لطالما اعتُبرت ملاذات للشركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك أيرلندا، ولوكسمبورغ، وهولندا وسويسرا، وبربادوس، التي كانت سابقاً تفرض ضريبة شركات بنسبة 5.5 %. ولم تقدم الولايات المتحدة ولا الصين حتى الآن تشريعات للمشاركة، رغم دعمهما للاتفاق في عام 2021. ولكن هذه الإصلاحات العالمية صممت على نحو يجعل لها تأثيراً كبيراً.
يتكون الاتفاق التي أشرفت عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2021 من محورين. يهدف الأول لجعل الشركات متعددة الجنسيات تدفع المزيد من الضرائب في الأماكن التي تمارس فيها أنشطتها، بينما يهدف الثاني إلى تحديد حد أدنى عالمي لمعدل الضرائب على الشركات.
وتعني القواعد أنه بمجرد تطبيق بعض الدول لهذا المعدل العالمي، فستتحفز الدول الأخرى لفعل الشيء ذاته، لأنه بخلاف ذلك، يمكن للدول المشاركة جمع الضرائب على حسابها. وقال باسكال سان أمان، مدير مركز السياسة الضريبية السابق التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: «المحور الثاني فقط هو ما يحتاج إلى مجموعة أساسية كبيرة من الدول لتطبيقه. ولم يجد أحد حلاً سحرياً لتجنب الأمر».
ورغم أن الكثير يعتمد على تنفيذ واستجابة الشركات متعددة الجنسيات، إلا أن التحليلات الأولية تشير إلى أن الدول المشاركة التي تستضيف أرباحاً كبيرة للشركات منخفضة الضرائب ستكون أوائل الرابحين. وقال وارد: «لم يكن الناس يفكرون في مكافأة أيرلندا لكونها ملاذاً ضريبياً، ولكن قد تكون هذه نتيجة غير مقصودة».
وقالت منال كوروين، مديرة مركز السياسة الضريبية والإدارة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لـ«فاينانشال تايمز» أن تَتَبُع أين انتهى الأمر بالإيرادات الإضافية في المراحل الأولى سيُمثل «لمحة سريعة» فحسب للإصلاحات.
وتابعت قائلة: «بمرور الوقت سيتغير ذلك. البصمة المستقبلية تتمثل في قيمة ما يُقدم». وتوقعت في نهاية المطاف دفع المزيد من الضرائب «في الأماكن التي تجري فيها الأنشطة الاقتصادية» من خلال القضاء على التشوهات في النظام الضريبي.
ومن المتوقع أيضاً أن يؤدي تطبيق الإصلاحات إلى زيادة المنافسة الضريبية بين البلدان من خلال الائتمانات الضريبية والمنح والإعانات. وخلال العام الماضي، أكدت منظمة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن حسابات الحد الأدنى للضرائب العالمية ستوفر معاملة أكثر ملاءمة لبعض الائتمانات الضريبية، ولا سيما بعض الائتمانات القابلة للتحويل الموجودة في قانون الحد من التضخم في الولايات المتحدة.
وقال ويل موريس، مسؤول السياسية الضريبية العالمية في شركة بي دبليو سي الولايات المتحدة، إنه من المرجح أن تجمع مراكز الاستثمار إيرادات ضريبية إضافية في ظل النظام الجديد «وتُعيد ذلك إلى الشركات مرة أخرى» عن طريق ذراع حكومية أخرى. وقال موريس: «لن تموت المنافسة الضريبية، بل ستتحول إلى الإعانات والائتمانات».
ويعتقد موريس أن هذا التحوّل سيؤدي إلى جمع العديد من الدول لضرائب أقل مما توقعته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وعبر عن قلقه من إلقاء اللوم على الشركات، قائلاً: «سيحدث أن تقلق الدول من أن الشركات قد خططت للضرائب مرة أخرى بدلاً من كون تقديرات الإيرادات خاطئة».
وجرى تضمين استثناءات أخرى خلال المفاوضات حول الاتفاقية، مثل استثناء «الوجود الاقتصادي الفعلي»، بحيث لا تثبط القواعد الاستثمار في الأصول الملموسة مثل مرافق التصنيع والآلات. وقد أثار هذا الاستثناء الانتقادات لأنه يسمح للشركات بدفع ضرائب أقل من النسبة المحددة وهي 15 %، إذا كان لديها نشاط حقيقي كافٍ في الدول ذات الضرائب المنخفضة.
وقال فالنتين بندلينجر، الأكاديمي المتخصص في الحد الأدنى العالمي من الضرائب، إنه رغم أن القواعد المعقدة جعلت من الصعب التنبؤ بتأثيراتها على الإيرادات، إلا أنه يتوقع أن يكون هناك «تحد كبير في الامتثال لكل من إدارات الضرائب، والشركات متعددة الجنسيات».



