Daily Beirut

الذكاء الإصطناعي

الذكاء الاصطناعي يحسّن الصياغة لكنه لا يضمن الأمان لصوت الموظف

دراسة تُظهر أن الذكاء الاصطناعي يقلل زمن كتابة المهام المتوسطة بنسبة ٤٠٪ ويحسن الجودة ١٨٪، لكنه لا يزيل مخاطر التعبير عن الرأي في بيئة العمل إذا غابت ثقافة الاستماع والدعم المؤسسي.

··قراءة 4 دقائق
الذكاء الاصطناعي يحسّن الصياغة لكنه لا يضمن الأمان لصوت الموظف
مشاركة

يُستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم على نطاق واسع لمساعدة الموظفين على صياغة رسائلهم المهنية، خصوصًا تلك التي تحمل طابعًا نقديًّا أو استفساريًّا. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هذه الأداة، رغم فعاليتها في تحسين السلاسة اللغوية والوضوح، لا تُلغي المخاطر المرتبطة بالتعبير عن الرأي داخل المنظمات ما لم تكن هناك آليات دعم مؤسسي فعّالة.

كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على سلوك التعبير عن الرأي

عرّف علماء النفس التنظيمي «صوت الموظف» بأنه التعبير عن الأفكار أو المخاوف أو التحديات بهدف تحسين سير العمل، خاصةً حين يكون الصمت الخيار الآمن نسبيًّا. وهذا التعريف يركّز على الطابع المجازفي للعملية أكثر من تركيزه على درجة احتراف الصياغة. وقد أظهرت دراسة شملت ٤٥٣ من المهنيين الحاصلين على شهادات جامعية أن استخدام نموذج «شات جي بي تي» قلّل الزمن المطلوب لإتمام المهام الكتابية المتوسطة بنسبة ٤٠٪، وحسّن جودة الناتج بنسبة ١٨٪، كما ساعد في تقليص الفجوة في الأداء بين العاملين.

لكن هذه المزايا التقنية لا تترجم تلقائيًّا إلى زيادة حقيقية في «الصوت». فالتعبير عن الرأي فعل اجتماعي موجّه إلى طرف قادر على تجاهله أو مكافأته أو معاقبته. ولا يغيّر الذكاء الاصطناعي هذه الديناميكية القائمة على التوازن بين القوى داخل المؤسسة.

الوعي بالذكاء الاصطناعي وارتباطه بالصمت أو التعبير

في دراسة أخرى شملت ٢٠٣ موظفي خدمات في شركتين، وجد تشانغتشينغ هي وزملاؤه أن ارتفاع مستوى الوعي بمشاركة الذكاء الاصطناعي في العمل ارتبط بتراجع عدد الاقتراحات المتعلقة بالتحسين، وكذلك بعدد التحذيرات حول الممارسات الضارة. ويعزى هذا الانخفاض جزئيًّا إلى انخفاض ثقة الموظفين في قدرتهم على التعبير عن آرائهم، إضافةً إلى دور الشعور بعدم أمن الوظيفة: فعندما يعتقد الموظف أن التعبير لن يُحدث فرقًا، وأن التكنولوجيا قد تحل محله، يصبح الصمت خيارًا أكثر أمانًا.

وفي مقابل ذلك، كشفت دراسة أجرتها تشينغجين لين ولوتشي هي على ٣١٩ موظفًا في فنادق بأربع مدن صينية أن الموظفين ذوي الوعي الأعلى بالذكاء الاصطناعي كانوا أكثر ميلًا للتعبير عن آرائهم، خصوصًا إن توافرت لديهم رغبة قوية في التعلّم وعلاقات جيدة مع مدرائهم. وكان هذا التأثير أقوى عندما شعر الموظفون بأن مؤسستهم تدعمهم.

التحدث إلى الخوارزمية بدل الإنسان

وأضافت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٦ منهجًا جديدًا عبر ثلاث تجارب أُجريت في الصين. ووجد شيقى وانغ وزملاؤه أن الأفراد كانوا أكثر استعدادًا للتعبير عن آرائهم أمام «قائد خوارزمي» مقارنةً بالقائد البشري، لكن ذلك كان حصريًّا في المهام التي تتطلب التفكير وليس التعبير العاطفي. وارتبط هذا الاستعداد بتصوّر العدالة في العملية، ما عزّز الإحساس بالأمان النفسي وحفّز المشاركة.

وهذا لا يعني أن القادة الخوارزميين عادلون دائمًا أو أن الموظفين يفضلون تفويض القضايا الحساسة للآلات. بل يشير إلى أن هوية المتلقي تؤثر في مدى إحساس الموظف بخطورة التعبير. فقد تبدو الآلة أقل دفاعية، وأقل انخراطًا في السياسات الداخلية، وأقل احتمالًا لتثبيت حكم شخصي ضد المُرسل.

مشكلة المصداقية في الرسائل المدعومة بالذكاء الاصطناعي

وأشارت دراسة أجراها بيتر كاردون وأنطوني كومان على ١١٠٠ من المهنيين العاملين إلى وجود «مشكلة مصداقية» مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. فعند تقييم رسائل مكتوبة بمستويات مختلفة من الدعم الخوارزمي، لاحظ المشاركون أن الرسائل التي شارك فيها الذكاء الاصطناعي بشكل متوسط أو عالٍ أثارت تساؤلات حول أصالة الكاتب، وثقته بنفسه، واهتمامه، وصدقه، وقدرته. ورغم أن الدراسة ركّزت على التواصل الإداري الروتيني وليس على التعبير عن الرأي المباشر، فإنها تُنبّه إلى أن الجمهور يحكم على الرسائل ليس فقط بمحتواها، بل بما تكشفه عن شخصية المُرسل.

ولذلك، يُوصى باستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة تحرير، لا كبديل عن الذات. فيجب أن تنطلق الرسالة من أفكار الكاتب وبراهينه، ثم يستعين بالنموذج لضبط الهيكل أو النبرة، مع إضافة أمثلة شخصية وطلبات واضحة تعيد لها طابعها الفردي. فإذا كانت الرسالة قابلة لأن تكون صادرة عن أي شخص، فهي بحاجة إلى إعادة صياغة حتى تبدو حقيقية.

ما الذي يمكن أن يفعله القادة

وأظهرت دراسة شملت ٥٠٠ موظف أمريكي يعملون بدوام كامل أن الاستماع المؤسسي أثناء تدريب الموظفين على الذكاء الاصطناعي ارتبط بزيادة شعورهم بالاستقلالية والكفاءة، وتحسّن موقفهم تجاه استخدام هذه الأداة، وازدياد عدد اقتراحاتهم. وعلى الرغم من عدم إمكانية إثبات العلاقة السببية مباشرةً، فإن النتائج تؤكد حقيقة راسخة: يتحدث الناس عندما يؤمنون بأن أحدًا سيستمع إليهم ويتفاعل معهم.

ويُنصح القادة بأن يسألوا عن المخاطر لا عن مجرد الوصول: فالصندوق الوارد المُنظّم لا يدل تلقائيًّا على شعور الموظفين بالأمان. بل يجب أن يُطرح سؤال مباشر عن المواضيع التي فكّر الموظف في رفعها ثم قرّر كتمانها. كما ينبغي جعل رد الفعل متوقعًا: عبر الاعتراف بالمخاوف، وتوضيح الخطوات التالية، وإغلاق الحلقة حتى في حال رفض الاقتراح. ولا يجوز فصل الشكل عن المضمون: فلا يُستبعد القلق لمجرد أنه صيغ بصيغة محكمة، أو لأن الموظف استعان بالذكاء الاصطناعي في تنظيم أفكاره. بل يجب تقييم الأدلة والطلب المقدّم بحد ذاتهما. وأخيرًا، يُستحسن دعوة الموظفين للمشاركة قبل أن تتصلّب القرارات، أي خلال مراحل تبني الذكاء الاصطناعي، حين تزال السياسات وسير العمل قابلة للتعديل، وليس بعد اكتمال التنفيذ.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
الوسوم
مشاركة