Daily Beirut

العالم

أذرع طهران بالقارة السمراء.. الحرس الثوري يستنسخ تجربة حزب الله في أفريقيا

··قراءة 4 دقائق
أذرع طهران بالقارة السمراء.. الحرس الثوري يستنسخ تجربة حزب الله في أفريقيا
مشاركة

فيما تُراوح الحرب الإيرانية الأمريكية مكانها بين هدوء حذر وتصعيد تكتيكي لتحسين شروط التفاوض، يستغل الحرس الثوري الإيراني انشغال الأوساط الإقليمية والدولية بقضايا الشرق الأوسط، ليستنسخ تجربتي ميليشيات "حزب الله" والحوثي في القارة الأفريقية.

حيث تكشف مصادر استخباراتية مطلعة وتقارير عسكرية ميدانية عن تطلعات إيرانية لإيجاد مواطئ قدم عسكرية في القارة الأفريقية من خلال تشكيل ميليشيات مسلحة تابعة لها، من حيث الأيديولوجيا الدينية، والولاء السياسيّ.

وتكشف المصادر أنّه في الوقت الذي تسعى فيه القوى الدولية الكبرى لتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي في القارة الأفريقية، تعمد إيران إلى تحركات موازية بعيدًا عن الأضواء، تقودها قيادات الصف الأولى من الحرس الثوري الإيراني وتحديدًا فيلق القدس الموكل بالعمليات الخارجية.

خزان لتعويض الخسائر الإيرانية

ورغم التكتم الشديد الذي يحيط بهذه التحركات والعمليات، فإنّ جهات استخباراتية غربية وأفريقية محلية أماطت اللثام عن تمدد كبير لشبكات طهران العابرة للأقطار في القارة السمراء، متجاوزة كافة الأعراف الدبلوماسية، وجميع مقتضيات العلاقات الدولية.

وأضافت أنّ طهران تسعى منذ سنوات إلى بناء نفوذ عقائدي وميداني ولوجيستي في القارة الأفريقية، يؤدي إلى تحقيق هدفين كبيرين، الأول تعويض الخسائر الكبرى لإيران ولأدواتها في الشرق الأوسط عقب الضربات القاسية والقاصمة التي وجهتها تل أبيب إلى "حزب الله"، وانحسار نفوذ ميليشياتها في العراق، وخسارة الملعب السوري عقب سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024.

والثّاني يتجسد في توظيف هذه الأدوات لتأمين عائدات مالية أو ضمان موارد طاقية وتعدينية، تزخر بها بعض الدول الأفريقية، خاصة بعد ثبوت القيمة المادية واللوجيستية للمعادن النادرة والثمينة في مجال صناعة السيارات الكهربائية والحواسيب المحمولة والأجهزة الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

من القوة الناعمة إلى الاختراق الميداني

وفي تفكيك لمنظومة النفوذ الإيراني في القارة الأفريقية، تشير المصادر الإستراتيجية وعلى رأسها موقع "ديالغو أمركاس" إلى أنّ طهران تعتمد في تمددها الأفريقي على إستراتيجية ثلاثيّة الطبقات تمزج بين "المؤسسات الأكاديمية" و"المنافذ الإعلامية" و"الشبكات الموازية".

وتضيف أن هذه الإستراتيجية الثلاثية مستنسخة عن تجربة إنشاء ميليشيات "حزب الله" في لبنان، و"الحوثي" في اليمن، وبعض الجماعات الشيعية في سوريا قبل سقوط نظام الأسد.

وتؤكد في هذا السياق أنّ التغلغل الأكاديمي والعقائدي تَكرَّس بشكل واضح جدّّا في جامعة "المصطفى الدولية"، التي تمثل رأس حربة هذا المشروع، إذ تمتلك فروعًا وأنشطة في أكثر من 17 دولة أفريقية من السنغال ونيجيريا إلى تنزانيا وجنوب أفريقيا، وتُستغل هذه المؤسسات لتخريج نخبة موالية لإيران وتقوم بنشر الفكر الشيعي الإماميّ الاثني عشري (المذهب الرسمي لإيران) في أوساط المجتمعات المحلية.

وبعد التغلغل الأكاديمي والعقائدي، تأتي مرحلة التأسيس لنواتات مسلحة، تبدأ بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة في مرحلة أولى، ومن بعد "التمكّن والتّمكين" يصار إلى تسليحها بشكل واضح بالأسلحة الثقيلة والإستراتيجية النوعية، وهو مبدأ معتمد حاليًّا في غرب أفريقيا وإقليم الساحل.

ماعة "الزكزاكي" النيجيرية

وفي هذا المفصل، برزت "الحركة الإسلامية في نيجيريا" بزعامة إبراهيم "الزكزاكي" كنموذج محاك لـ"ميليشيات "حزب الله" في لبنان، وتدير الحركة شبكة إعلامية ناطقة بلغة "الهوسا"- لهجة محلية- إلى جانب قناة "هوسا تي في"، الموجهة لشعوب المنطقة.

وتستغل الحركة الفراغ الأمني الذي خلّفته الانسحابات الغربية في منطقة الساحل الأفريقي (مالي والنيجر وبوركينافاسو)، إلى جانب الضعف الواضح في أداء المؤسسات الأمنية والعسكرية في هذه الدول، وعجز "فيلق أفريقيا" الروسي عن سدّ الفراغ الذي خلفته القوات الغربية.

ويضاف إلى ذلك هشاشة التأييد الشعبي للجيوش الرسمية، التي توثق تقارير أممية ارتكابها مجازرَ بحق أهالي تلك المناطق.

ومن بعد "التمكين العسكري"، تتنزّل الحلقة الثالثة والمتجسدة في التمويل الموازي وإنشاء الشبكات اللوجيستية، حيث ترصد التقارير الأمنية المختصة في تتبع التدفقات المالية المشبوهة، تقاطعًا وثيقًا بين أنشطة الحرس الثوري والنسخة الجديدة من ميليشيات "حزب الله" غرب أفريقيا.

إذ تستغل إيران الجاليات والأسواق السوداء لتمويل الأنشطة عبر تهريب البضائع ورؤوس الأموال، إضافة إلى التداخل الواضح مع خطوط التجارة غير المشروعة.

السودان والبحر الأحمر

وتشير هذه التقارير إلى أن المشهد يكتمل بامتداد النفوذ الإيراني من غرب القارة إلى شرقها، حيث يمثل السودان والمناطق المتاخمة للبحر الأحمر شريانًا لوجيستيًّا حيويًّا بالنسبة لإيران، من خلال التعاون مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.

إذ ينظر الحرس الثوري بشكل عام، وفيلق القدس بشكل خاص، إلى الأراضي السودانية بوصفها بوابة رئيسية لإنشاء مراكز تدريب وممرات لنقل السلاح والمعدات عبر بورتسودان باتجاه نقاط التوتر الإقليمية.

وتعوّل طهران في هذا السياق بشكل كبير على الميليشيات الحوثية لمنحها أوراق ضغط إستراتيجية، من خلال السيطرة على ممرات الملاحة الدولية القريبة من باب المندب وقناة السويس.

في المحصلة، تستخلص التقارير الإستراتيجية والتقييمات الأمنية المشتغلة على النفوذ الإيراني في أفريقيا أنّ طهران تُوظّف حالة الفراغ الجيوسياسي وتراجع النفوذ الغربي في أفريقيا لتعزيز مكاسبها الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.

وتعتبر أن هذا التمدد لا يهدف فقط إلى فك الحصار والعزلة الدولية عنها، بل يسعى لتحويل أجزاء من القارة الأفريقية إلى ساحة خلفية للمناورة ورسائل الردع المتبادل مع الخصوم الإقليميين والدوليين.

إرم نيوز

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة