العالم
"إمبراطورية الظل".. كيف نسج "حزب الله" شبكة الاستخبارات والجريمة في البرازيل؟

لطالما مثّلت أمريكا اللاتينية، بحكم الموقف الناقد لأنظمتها اليسارية من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل- حديقة خلفية و"ملاذاً آمناً" لتحركات الميليشيات المسلحة على غرار "حزب الله" اللبناني، التي وظفت بشكل كبير العوامل الثقافية والعسكرية والقانونية، لنسج ما يمكن تسميته "إمبراطورية الظل في ساو باولو".
وتكشف بيانات أمنية واستخبارتية مسربة، مدعومة بتحقيقات الشرطة الاتحادية البرازيلية، أن البرازيل لم تعد مجرد ساحة خلفية لجمع التبرعات لصالح ميليشيا "حزب الله" عبر شبكات تهريب تقليدية، بل تحولت رسميا إلى "مركز إدارة عملياتي محلي وإقليمي مكتمل الأركان".
وتضيف ذات التحقيقات أنّ هذا المركز أصبح يربط فعلياً بين تنظيمات الإرهاب العابرة للحدود وعصابات الجريمة المنظمة وكارتلات المخدرات، مستفيداً – أي المركز- من بيئة قانونية برازيلية ترفض حتّى اللحظة تصنيف الميليشيا كمنظمة إرهابية.
نقطة تماس "حزب الله" والكارتلات
وحسب تقارير استراتيجية واستخباراتية رفيعة، فإنّ التدفقات المالية لفائدة الميليشيا تتجاوز كافة التقديرات التقليدية، حيث فجرت الشرطة الاتحادية البرازيلية تفاصيل "عملية حوالمة"، والتي كشفت عن تبييض نحو 20 مليون دولار (100 مليون ريان برازيلي)، لصالح كبرى كارتلات الجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية.
وعلى رأس الكارتلات، كارتل "القيادة الأولى للعاصمة PCC"، و"القيادة الحمراء CV"، و"القيادة الثورية/ النقية الثالثة".
والمثير في هذه التحقيقات يتمثل في توجيه الاتهام ضد 22 شخصا بينهم 7 مواطنين لبنانيين من الجالية الشيعية المستوطنة لساو باولو وللحدود الثلاثية، بإدارة شبكة معقدة من الشركات الصورية.
وتشير التحقيقات الأمنية- التي نقلتها عدة مصادر إعلامية على غرار موقع دياليغو أمريكاس- أنّ الخلية اللبنانية لم تكتف بتوفير غطاء مالي للكارتلات، بل عملت كجسر تمويلي ومصرفي سري ينقل عوائد المخدرات الدولية من خلال المنطقة الحدودية المشتركة بين البرازيل والأرجنتين والباراغواي، لصالح حسابات تتقاطع مباشرة مع الشبكات المالية للتنظيم اللبناني.
ساو باولو عاصمة التمويل
وفي سياق متصل، تُثبت البيانات الاستخباراتية المسرّبة عبر منصات تحليل المخاطر الدولية (مثل 240 Analytics، ودياليغو أمريكاس) أن "حزب الله" بات يعتبر مدينة ساو باولو البرازيلية بصفتها العاصمة الفعلية لنشاطه في القارة اللاتينية منذ قرابة ثلاثة عقود.
حيث أوفدتْ الميليشيا كوادر رفيعة المستوى من دائرة العلاقات الخارجية، اتخذت من "مسجد براس BRAS" غطاء رسميا لها.
ووفقا لذات المصادر الاستخباراتية، فمن بين الشخصيات الرفيعة التي تم إيفادها إلى مسجد "براس" "الشيخ علي أبو ريا" وهو أول إمام دائم في المسجد، وأحد كوائر دائرة العلاقات الخارجية، وقد كشفت الوثائق عن انتمائه المباشر للميليشيا عقب مقتله في غارة إسرائيلية بجنوب لبنان في سبتمبر 2024.
كما تم إرسال الشيخ بلال محسن وهبي، الذي خلف أبو ريا وقد عينته الميليشيا مبعوثا إقليميا لقارة أمريكا الجنوبية، وعلى الرغم من فرض الخزانة الأمريكية عقوبات مباشرة عليه في 2010 بصفته الممثل المباشر لحسن نصر الله، إلا أنه واصل إدارة الشبكة علنا في البرازيل إلى حين مغادرتها عام 2019.
أمّا الشخصية الثالثة، فهو بدري عبد المنعم معاوية، واسمه الحركي (بدري زين الدين)، وهو الممثل الحالي للميليشيا، وقد وصل البرازيل عام 2024 وحصل رسميا على الإقامة الدائمة في أبريل 2026 بتزكية من الجمعية الخيرية الإسلامية البرازيلية المعروفة بarbib.
وتكشف البيانات والمعلومات المسربة عن احتفاظ معاوية بثلاثة حسابات مصرفية بالدولار الأمريكي لدى مؤسسة القرض الحسن الخاضعة للعقوبات الدولية.
من "كشافة الهدى" إلى الجبهات
توغّل ميليشيا "حزب الله" لا يقف عند حدود التّمويل أو الدبلوماسية الدينية، بل يتعداهما إلى إعادة بناء الهياكل التربوية والعسكرية الموازية لما تسميه الميليشيا بـ "مجتمع المقاومة".
وفي هذا المفصل الخطير، تكشف ذات البيانات والمعلومات السرية عن أبرز نموذج لهذا الاستنساخ الذي يظهر في تنظيم "كشافة الهدى" في ساو باولو، والمُصمَّم على نمط "كشافة المهدي" في جنوب لبنان.
وتبرز هنا حالة محمد جواد محسن غريب، نجل شقيق رئيس "مسجد براس" (حسن علي غريب)، حيث هاجر غريب إلى البرازيل ونشأ كقائد كشفي في ساو باولو، قبل أن يلتحق بالجبهة العسكرية لميليشيا "حزب الله" في لبنان إثر تصاعد المواجهات بعد أكتوبر 2023.
وفي 6 مايو 2026، قُتل غريب في مواجهات ميدانية بجنوب لبنان، ووثقت مقاطع فيديو مشاركة عمّه (رئيس المسجد البرازيلي) في تشييعه ببلدة شقرا اللبنانية مرتديا وشاح الحزب.
"عملية ترابيشي"
وفي سياق متصل، يكشف موقع "دياليغو أمريكاس" – نقلا عن التحقيقات الأمنية البرازيلية- أنّ الميليشيا انتقلت وبسرعة من مرحلة "الملاذ الآمن" في البرازيل إلى مرحلة الاستخدام والتوظيف التكتيكي للعمليات الإرهابية.
ويضيف الموقع أنّه في "عملية ترابيشي" مثلا، نجحت الشرطة الاتحادية البرازيلية بالتعاون مع استخبارات دولية في تفكيك خلية خططت لتنفيذ هجمات ضد أهداف وكنائس يهودية وسفارات في العاصمة برازيليا.
وأظهرت الوثائق الأمنية استخدام الحزب لشبكة خلية "برازيليا" لتجنيد مواطنين برازيليين محلّيين ونقلهم إلى بيروت لتلقي الأموال والتعليمات، وتوفير التغطية لهم عبر مراكز ثقافية في العاصمة، بهدف إبعاد الشبهات وتصوير أي عمل إرهابي محتمل وكأنه "جريمة كراهية محليّة".
الثغرة التشريعية البرازيلية
على الرغم من حجم هذه الأدلة، تظل العقبة الرئيسية أمام الأجهزة الأمنية البرازيلية متمثلة في عدم تصنيف البرازيل لحزب الله كمنظمة إرهابية حتى الآن، واكتفائها بتبني قوائم تصنيف الأمم المتحدة، إلى جانب تساهل نظام التأشيرات والإقامة.
في المقابل يعتبر يرى خبراء العلاقات الدولية والأمن الاستراتيجي أن تحول البرازيل إلى نقطة تقاطع بين الإرهاب العابر للحدود والجريمة المنظمة يفرض على الحكومة البرازيلية التخلي عن السياسات التقليدية.
ويدعو الخبراء في هذا السياق إلى إقرار تشريع وطني صريح لتصنيف الجماعات الإرهابية، تفعيل هيئات الرقابة المالية مثل وحدة "COAF" لتجميد الأصول والشركات الصورية، بالإضافة إلى تعزيز التبادل الاستخباري مع الدول المجاورة والولايات المتحدة لمنع استغلال الأراضي البرازيلية كمنصة لإدارات العمليات الإقليمية.
إرم نيوز





