العالم
العقوبات الأمريكية تخنق طهران. الفقر يتصاعد: داخل المعاناة اليومية للإيرانيين

تواجه إيران تدهورا متسارعا في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، مع تشديد الولايات المتحدة عقوباتها لتشمل قطاعات جديدة، من شركات الطيران إلى صناعة السيارات والنقل بالسكك الحديدية، في وقت تتفاقم فيه أعباء التضخم والفقر على السكان، ويتزايد فيه انعزال الجمهورية الإسلامية عن محيطها الخارجي، بحسب صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعلن، في نهاية أغسطس الماضي، ملامح حملة جديدة تستهدف الاقتصاد الإيراني تحت اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي"، مؤكدا أن واشنطن تريد توجيه رسالة واضحة مفادها بأن "لا أحد بمنأى عن العقوبات الأمريكية"، التي وصفها بأنها الأشد في التاريخ.
وفي ظل الحرب الدائرة في محيط مضيق هرمز، الذي يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، يتزايد الضغط على طهران يوما بعد يوم. فبعد جولات من الإجراءات العقابية التي استهدفت إيران منذ الصيف الماضي، امتدت العقوبات لتشمل شركات كبرى لصناعة السيارات، وشركة السكك الحديدية الوطنية، فضلا عن شركة لتصنيع الدراجات النارية.
وفي 23 سبتمبر، استهدفت واشنطن أيضا شركات الطيران التي تشغل رحلات من إيران وإليها، في خطوة تهدد بمزيد من التعقيدات في حياة الإيرانيين، الذين يواجهون بالفعل ظروفا معيشية صعبة.
رحلات معلقة وعزلة متزايدة
يروي رجل أعمال إيراني يدعى مهدي، للصحيفة الفرنسية، وصل قبل أيام إلى إسطنبول على متن رحلة تابعة لشركة "إيران إير"، أن طائرته ظلت على أرض المطار لأكثر من أربع ساعات، وسط مخاوف من عدم السماح لها بالإقلاع.
ويقول مهدي إن أحد أفراد الطاقم أشار، بعد الهبوط، إلى أن كل رحلة باتت تتطلب مفاوضات متعددة، في ظل تردد الدول المضيفة في السماح للطائرات الإيرانية بالهبوط على أراضيها، خشية تعرضها للعقوبات الأمريكية.
وفي مطار طهران الدولي، تحدث مسافرون عن تكرار إلغاء الرحلات، فيما أعربت إحدى المسافرات عن خشيتها من أن يأتي يوم تخلو فيه لوحات مواعيد الرحلات من أي إعلانات.
ومنذ أواخر سبتمبر/تشرين الأول، اختفت رحلات الذهاب والإياب إلى إيران التي تشغلها شركات "الخطوط الجوية التركية" و"بيغاسوس" و"إيه جيت" من أنظمة الحجز الخاصة بها. ورغم عدم صدور بيانات رسمية تشرح أسباب الإلغاء، نقل موقع "ميدل إيست آي" عن مصدر مطلع أن الرحلات عُلقت بسبب العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية.
وفي حين لا تزال الرحلات الجوية إلى الصين، الحليف لإيران، مستمرة حتى الآن، عُلقت رسميا الرحلات إلى بغداد والنجف في العراق، وكذلك الرحلات المتجهة إلى الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. كما فرضت قيود على عبور بعض المجالات الجوية.
وفي الشهر الماضي، اضطرت طائرة تابعة لشركة "فارش إيرلاينز" الإيرانية، كانت متجهة من طهران إلى دوشنبه، عاصمة طاجيكستان، إلى العودة بعدما رفضت تركمانستان السماح لها بعبور مجالها الجوي.
وتقول مينا، وهي طالبة إيرانية كانت تعتزم السفر إلى تركيا بعد أسبوعين لأداء اختبار "توفل" للغة الإنجليزية، إن القيود الجديدة تجعل المستقبل أكثر غموضا. وتضيف أن تنظيم الاختبار في إيران عُلّق مؤخرا بقرار من وزارة الخزانة الأمريكية، معربة عن مخاوفها من إلغاء الرحلات إلى إسطنبول وأنقرة قبل موعد سفرها. وتقول مينا: "كل يوم تصبح آفاقنا أكثر قتامة".
وتدرك الطالبة أنها تتمتع بظروف أفضل من كثيرين في بلد يعاني البطالة والتضخم، حيث لم يعد راتب العامل يكفي لتغطية إيجار شقة متواضعة لمدة شهر.
التضخم يتجاوز 88% والفقر يقترب من نصف السكان
يقول الاقتصادي تييري كوفيل، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية والمتخصص في الشأن الإيراني، إن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تظهر تدهورا واضحا.
ووفقا للأرقام التي نشرها مركز الإحصاء الإيراني، بلغ التضخم السنوي 88.6% في يونيو الماضي، مسجلا مستوى قياسيا. وكانت المواد الغذائية من أكثر القطاعات تضررا، إذ تجاوزت الزيادة في أسعار الخبز والحبوب 100%، بينما اقترب ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن من 200% على أساس سنوي، بحسب البيانات الرسمية.
ويشير كوفيل إلى أن معدل الفقر، الذي ارتفع بنسبة 31% في عام 2024، قفز بصورة كبيرة في عام 2026 ليصل إلى 41%.
ويرى الباحث أن العقوبات الأمريكية تؤدي دورا رئيسا في تفاقم الأزمة، رغم أن الاقتصاد الإيراني يعاني أيضا اختلالات داخلية مرتبطة بالفساد والمحسوبية وغموض أنشطة المؤسسات الدينية والشركات المرتبطة بالحرس الثوري.
ويقول كوفيل إن تطور المؤشرات منذ عام 2018 يكشف ارتباطا واضحا بين انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، بقرار من الرئيس دونالد ترامب، وتباطؤ النمو الاقتصادي الإيراني.
ويوضح أن الصين أصبحت، منذ ذلك العام، المشتري الرئيس لمعظم النفط الإيراني، فيما ارتفع متوسط التضخم إلى نحو 40%، بعدما انخفض إلى أقل من 10% عقب توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
وتشير هذه التطورات، بحسب التحليل الذي يقدمه الباحث، إلى أن تشديد العقوبات لا يقتصر تأثيره على إيرادات الدولة والتجارة الخارجية، بل يمتد إلى القدرة الشرائية للأسر وتكاليف الغذاء والسكن والتنقل.
واشنطن تراهن على الضغط الاقتصادي
لا يخفي بيسنت أن الهدف من الإجراءات الأمريكية يتجاوز فرض قيود على قطاعات بعينها، إذ تحدث في إحدى مداخلاته الأخيرة عن السعي إلى "انهيار النظام الإيراني".
وبحسب تحليل "لو فيغارو"، تراهن واشنطن على زيادة الضغط الاقتصادي بعدما لم تؤد الحربان اللتان اندلعتا في يونيو 2025 ثم أواخر فبراير الماضي إلى إسقاط النظام الإيراني، في محاولة لدفع البلاد نحو موجة احتجاجات جديدة.
ويأتي ذلك في أعقاب احتجاجات شهدتها إيران مطلع يناير الماضي وانتهت بحمام دم، فيما تعكس المظاهرات الأخيرة في حرم جامعة العلامة الطباطبائي استمرار حالة الغضب الكامنة داخل المجتمع.
لكن النظام الإيراني لا يزال يمتلك أدوات متعددة لاحتواء الضغوط، من بينها تقديم مساعدات مالية للفئات الأكثر فقرا، وتشديد الإجراءات الأمنية والقمعية، وممارسة الضغوط على الأصوات المعارضة، إلى جانب تكثيف أحكام الإعدام بحق متظاهرين، وفقا لما أورده التقرير.
آخر الأخبار

خفض الوفيات بنسبة 45% لدى مرضى الكبد الدهني عبر أدوية GLP-1

1.7 مليار دولار لتحديث قاذفات بي-1 وبي-2 حتى 2031

95 موقوفاً في 17 دولة .. تفاصيل مداهمة الإنتربول التي هزت العالم


