العالم
النفوذ الدفاعي التركي يتمدد في آسيا.. وماليزيا على رأس الأولويات

برز اسم تركيا باعتبارها أحد أكثر الخيارات التي تحظى باهتمام متزايد داخل دوائر التخطيط الدفاعي الماليزية، بعدما نجحت خلال العقد الأخير في التحول من مستورد رئيسي للأسلحة إلى دولة تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة تشمل الطائرات المسيرة، والمنظومات البرية، والسفن الحربية.
ويُعد مشروع MILGEM أحد أبرز نماذج هذا التحول، إذ تمكنت أنقرة من تصميم وبناء فرقاطات وسفن حربية محلية مزودة بأنظمة تسليح متطورة مع زيادة الاعتماد على الصناعات الوطنية، ما منحها مكانة متقدمة في سوق الصناعات البحرية العالمية.
ولا تقتصر جاذبية تركيا بالنسبة لماليزيا على القدرات الصناعية فقط، بل تمتد إلى طبيعة سياستها الدفاعية، التي تقوم على تقديم شراكات تشمل التدريب والصيانة ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، بدلاً من الاكتفاء ببيع المعدات العسكرية.
ويمنح الموقع الجيوسياسي لأنقرة أيضاً ميزة إضافية، إذ لا تُنظر إليها في جنوب شرق آسيا باعتبارها طرفاً يفرض اصطفافات سياسية صارمة على شركائه، كما أنها لا تواجه الحساسية ذاتها التي ترافق التعاون العسكري مع الصين، الأمر الذي يجعلها خياراً وسطاً بين الموردين الغربيين والآسيويين.
أزمة صواريخ Naval Strike Missile (NSM)
أعادت أزمة إلغاء النرويج ترخيص تصدير منظومة صواريخ Naval Strike Missile (NSM) إلى ماليزيا فتح نقاش واسع داخل الأوساط الدفاعية بشأن مستقبل الشراكات العسكرية لكوالالمبور، بعدما تحولت القضية من خلاف تعاقدي إلى اختبار لمدى موثوقية موردي السلاح في ظل تصاعد الاعتبارات السياسية التي باتت تتحكم في صفقات الدفاع.
فبعد سنوات من توقيع العقد وسداد ماليزيا نحو 95% من قيمته، قررت أوسلو مطلع عام 2026 سحب موافقتها على تصدير الصواريخ المخصصة لتسليح سفن القتال الساحلية التابعة للبحرية الملكية الماليزية، مبررة القرار بتشديد سياسات تصدير التكنولوجيا العسكرية الحساسة وقصرها على الحلفاء والشركاء المقربين.
ورغم التبريرات النرويجية، تنظر ماليزيا إلى القرار باعتباره إخلالاً بالثقة قبل أن يكون مجرد تأخير في تنفيذ صفقة تسليح، إذ كشف أن الالتزامات السياسية قد تتغلب في أي وقت على العقود التجارية، وهو ما دفع كوالالمبور إلى مراجعة فلسفة التعاقد مع موردي السلاح والبحث عن شركاء أكثر استقراراً على المدى الطويل، بحسب "ديلي صباح".
تحديث البحرية يفرض مراجعة خيارات الشراكة
تأتي الأزمة في وقت تواجه فيه البحرية الملكية الماليزية تحديات متزايدة نتيجة تقادم جزء كبير من أسطولها، وارتفاع تكاليف الصيانة، وتنامي التهديدات الأمنية في بيئة بحرية أكثر تعقيداً، تشمل النزاعات المستمرة في بحر الصين الجنوبي، وأهمية تأمين مضيق ملقا، إضافة إلى التهديدات غير التقليدية قبالة سواحل ولاية صباح، مثل التهريب والتسلل البحري.
ويرى خبراء أن السفن القديمة لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات العمليات الحديثة التي تعتمد على منصات متطورة وشبكات قيادة وسيطرة متكاملة، ما يجعل تحديث الأسطول أولوية استراتيجية وليس مجرد مشروع تسليحي.
وتكتسب الخطة الماليزية الثالثة عشرة أهمية خاصة، إذ يُنتظر أن تحدد مستقبل برامج تحديث البحرية خلال السنوات المقبلة، غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد يتعلق فقط بنوعية السفن أو الأسلحة المطلوبة، بل بهوية الشريك القادر على ضمان استمرارية الدعم الفني والصيانة ونقل التكنولوجيا دون تعريض البرامج الدفاعية لتقلبات سياسية مفاجئة.
وتظل الولايات المتحدة مورداً رئيسياً للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، لكنها ترتبط عادة بقيود سياسية وتكاليف مرتفعة، بينما يوفر الموردون الأوروبيون خبرات بحرية كبيرة، إلا أن الأزمة الأخيرة مع النرويج أظهرت أن المخاطر السياسية لا تزال قائمة.
كما عززت كوريا الجنوبية حضورها في قطاع بناء السفن العسكرية، في حين تواصل الهند تطوير صناعاتها الدفاعية البحرية، أما الصين فتقدم عروضاً تنافسية من حيث الأسعار وسرعة الإنتاج، لكنها تثير تساؤلات مرتبطة بالتوافق التقني مع المنظومات الغربية التي يعتمد عليها الجيش الماليزي، فضلاً عن الاعتبارات الجيوسياسية المرتبطة ببحر الصين الجنوبي.
إعادة تقييم للشراكة
يرى محللون أن الأزمة مع النرويج قد تدفع ماليزيا إلى إعادة تقييم مفهوم "الشريك الاستراتيجي"، بحيث لا يقتصر على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وإنما يشمل أيضاً القدرة على الالتزام طويل الأمد بالعقود والدعم الفني بعيداً عن الضغوط السياسية.
وفي هذا السياق، قد تجد كوالالمبور في التجربة التركية نموذجاً أكثر انسجاماً مع سياستها الخارجية القائمة على تنويع الشركاء والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي، خاصة مع حرصها التقليدي على تجنب الاعتماد على قوة واحدة في مجال التسليح.
ورغم أن تركيا لا تمثل الحل الوحيد أمام ماليزيا، فإن التطورات الأخيرة عززت مكانتها كأحد أبرز المرشحين لشغل مساحة أكبر في برامج تحديث البحرية الماليزية، في وقت أصبحت فيه الثقة السياسية واستدامة الشراكة عاملاً لا يقل أهمية عن جودة السلاح نفسه.
وبذلك، قد لا يكون مستقبل تحديث البحرية الماليزية مرهوناً فقط بأحدث المنظومات العسكرية، بل بقدرة الموردين على تقديم ما أصبح أكثر ندرة في سوق السلاح العالمي: شريك موثوق يحافظ على التزاماته حتى في أوقات التوترات السياسية.





