العالم
بيانات كبرى في قبضة الكارتلات.. زلزال سيبراني يهدد أمريكا اللاتينية

لا يبدو أنّ خطر الكارتلات الإجرامية وعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية يقف عند حدّ، أو يقتصر على مجال دون آخر، حيث تكشف التحريات الأمنية والأبحاث القضائية عن اختراق عصابات الجريمة المنظمة للبيانات التجارية ولقاعدة صور الكاميرات السرية في غالبية الشوارع الرئيسة للعواصم اللاتينية.
وتتقاطع مصادر أمنية وقضائية لاتينية مع تقارير تحليلية استراتيجية في تنبيهها بأنّ شبكات الجريمة المنظمة والعصابات العابرة للحدود باتت تستغل هذه الأدوات المتقدمة ببراعة كبيرة لخدمة مخططاتها الإجرامية.
تصفية الشهود ورجال الأمن
وتشير التقارير الأمنية والاستخباراتية إلى أنّ الكارتلات باتت توظف هذه البيانات العملاقة قصد تصفية الشهود واستهداف رجال الأمن والجيش والمخابرات في بلدان أمريكا اللاتينية.
وتَعتبر الجهات ذاتها أنّ الحواجز التقنية والمالية التي كانت تمنع الكيانات الإجرامية غير النظامية من الولوج إلى أدوات المراقبة قد تهاوت بشكل كامل، وبات بإمكان عصابات المخدرات الكبرى والشبكات الإجرامية الاستفادة من بيئة رقمية عالمية.
وتعجّ هذه البيئة بصور الكاميرات الذكية ومقاطع الفيديو المكشوفة على شبكة الإنترنت وبيانات المواقع الجغرافية التجارية المتاحة للبيع، ما يعيد رسم خريطة التهديدات الأمنية العالمية، باعتبار أنّ تكنولوجيا المراقبة الشاملة والبيانات الرقمية تجاوزت مرحلة احتكارها من طرف الدول العظمى أو حتى أجهزة الدول الرسمية المحلية وأجهزة الاستخبارات التقليدية.
اختراق مزدوج
وتدق الجهات الأمنية في أمريكا اللاتينية ناقوس الخطر من هذه التهديدات الرقمية الخطيرة، مؤكدة أنّ اختراق الكارتلات لقواعد البيانات الكبرى Big data أمر حاصل وقائم، وأن تداعياته ستظهر قريبًا لا محالة.
ووفقًا لنفس المصادر الرسمية المطلعة، فإنّ الاختراق المزدوج يعتمد على جبهتين رئيسيتين، الأولى تتمثل في البيانات التجارية وسجلات السفر، حيث بات بإمكان الكارتلات استغلال قواعد البيانات المتاحة تجاريا، بما في ذلك بيانات التصفح الرقمي وإعلانات وسائل التواصل الاجتماعي وسجلات السفر وحركات المرور، وهي معلومات خام تمنح لصاحبها فهمًا إجرائيًّا وميدانيًّا عميقًا لتحركات الأفراد وأنماط حياتهم.
أما الجبهة الثانية فتتجسد في البِنى التحتية للمراقبة الحضرية، أي إمكانية اختراق أو استغلال "كاميرات المراقبة الحضرية" – المركزة في الشوارع الرئيسية - وأنظمة التعرف على لوحات السيارات التابعة للسلطات المحلية في بعض الدول الضعيفة والهشة أمنيًّا.
وعند تقاطع الجبهة الأولى مع الثانية، فإنّه بالإمكان القول إنّ الجماعات الإجرامية اللاتينية باتت تتوفر لديها قدرات استخباراتية موازية لأجهزة الدولة.
وفي قراءتها لمخاطر هذا التحوّل، ترى مراكز أبحاث أمريكية مرموقة مختصة في الشأن الأمني اللاتيني على غرار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنّ مخاطر هذا التحول لا تقتصر على الجانب السيبراني النظري بل قد تترجم ميدانيًّا إلى عنف دموي وتهديد مباشر للاستقرار المؤسساتي.
وبحسب تقارير تدقيق سابقة لوزارة العدل الأمريكية وبعض التحقيقات الاستقصائية، فإنّ الشبكات الإجرامية في أمريكا اللاتينية استطاعت اختراق أنظمة أمنية رسمية، كما تمكنت من تتبع دقيق للقضاة والأمنيين وللنخب السياسية والحزبية والبرلمانية المعارضة لها، وذلك عبر دمج قواعد البيانات الجغرافية بكاميرات المدن.
ويمنح هذا التسليح الرقمي المتمثل في المراقبة التقنية الدورية والمطردة، الكارتلات قدرة فائقة على الابتزاز والاختراق المسبق عبر إنشاء ملفات تعريفية دقيقة عن الشخصيات المستهدفة تشمل تحديد تحركاتهم وإمكانية "إزاحتهم" من المشهد العام بكل سهولة وبدقة متناهية.
كما يمكن بذلك شل قدرات المؤسستين الأمنية والعسكرية، عبر توظيف الطائرات بلا طيار وتقنيات التتبع المتقدمة لرصد دوريات حرس الحدود والأجهزة الأمنية ومتابعة أوقات استجابتها ميدانيًّا.
غياب الحكومات اللاتينية
وبحسب قراءات أمنية مطلعة، فإنّ الوضع القائم يزداد خطورة وتفاقما مع التعامل البطيء للمؤسسات الحكومية والتشريعية في أمريكا اللاتينية مع هذه التهديدات الناجمة عن سوق البيانات التجارية المنفلت من الرقابة، وغياب الأطر التنظيمية لحماية الخصوصية ومنع تسرب التكنولوجيا الحساسة.
ويضاف إلى كل ما سبق، تخلف الكثير من العواصم اللاتينية عن اللحاق باستحقاق رقمنة الإدارة، وبناء مؤسسة أمنية رقمية تسهر على الحيلولة دون توغل وتغول خطر الكارتلات من البوابة السيبرانية.
وهناك علاقات تحالف قائمة بين هذه المجموعات الإجرامية والميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط التي تسعى إلى استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة اللاتينية، وبناء بنية تحتية لوجستية وعسكرية ومادية بديلة عن خسائرها الكبرى في لبنان وسوريا، وبذلك فإنّ الخطورة واقعية وتتجاوز حدود أمريكا اللاتينية.
وفي المحصلة، يخلُص المتابعون للشأن الأمني في أمريكا اللاتينية إلى أن هذا الواقع الجديد يفرض قراءة مختلفة لمفاهيم الأمن المحلي والإقليمي والدولي، إذ إنّ التهديد الحقيقي بات في قدرة كيانات مارقة وعصابات إجرامية على امتلاك قواعد رقمية ضخمة.
ويحتم ذلك صياغة سياسات عاجلة لتقييد تدفق البيانات التجارية وسد الثغرات السيبرانية الحساسة قبل أن تتحول هذه التقنيات إلى بديل رقمي للدولة نفسها داخل مناطق نفوذ تلك الجماعات.





