العالم
تواجه إيران تحديات اقتصادية حادة تشمل تضخمًا مرتفعًا، فقدان وظائف، وانكماش اقتصادي متواصل وسط مفاوضات دولية محتملة لإنهاء الحرب.

تواجه إيران موجة من الأزمات الاقتصادية التي تشمل ارتفاع التضخم، فقدان ملايين الوظائف، وانكماش اقتصادي متزايد، وفقًا لتقارير صحفية ومصادر اقتصادية. يأتي ذلك في وقت تجري فيه مفاوضات مكثفة بين واشنطن وطهران بشأن مذكرة تفاهم قد تضع حدًا للصراع الحالي.
رصد تقرير صادر عن موقع "دروب سايت" المستقل، أعده صحفي مقيم في طهران، أن الحرب والحصار الأمريكي المستمرين خلفا آثارًا اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق على الإيرانيين العاديين، حيث يعاني الاقتصاد من تضخم متصاعد، فقدان وظائف، وانكماش قد يدفع ملايين المواطنين إلى الفقر خلال الأشهر المقبلة.
وأشار التقرير إلى أن الإيرانيين يواجهون دمارًا اقتصاديًا متزايدًا، إلى جانب تفشي الفساد وعدم المساواة في مختلف شرائح المجتمع، مع اقتراب توقيع اتفاق محتمل لإنهاء الصراع.
في مارس/آذار الماضي، رفعت الحكومة الإيرانية الحد الأدنى للأجور إلى نحو 90 دولارًا شهريًا، في محاولة للتخفيف من آثار التضخم على السكان، لكن التحديات الاقتصادية تبقى كبيرة.
على الرغم من الحاجة الملحة لإعادة إعمار البنية التحتية التي تضررت بشدة خلال الحرب، فإن نقص رأس المال يعيق تنفيذ المشاريع الضرورية حتى في المناطق التي تعاني من أزمات حادة.
كما أجبرت الظروف الاقتصادية الصعبة العديد من الإيرانيين المتعلمين على ترك وظائفهم، سعياً وراء تأمين سبل العيش في ظل انهيار الاقتصاد.
تدهور الوضع الاقتصادي في إيران يعكس انخفاض متوسط دخل الفرد من حوالي 8000 دولار عام 2012 إلى 5000 دولار عام 2024، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6% إضافية في 2026، مع ارتفاع أسعار المستهلكين بما يقارب 70% خلال نفس الفترة.
أدت الهجمات المشتركة على البنية التحتية الحيوية، مثل مصانع الصلب وشركات الأدوية، إلى فقدان ما يقرب من مليون وظيفة بشكل مباشر، بالإضافة إلى تأثر ملايين الوظائف الأخرى بشكل غير مباشر، حسب وزارة العمل الإيرانية.
وسجلت إحدى المنصات الإيرانية الرئيسية للبحث عن عمل في نهاية أبريل/نيسان رقماً قياسياً بلغ 320 ألف طلب توظيف في يوم واحد، ما يعكس الضغط الكبير على سوق العمل.
ووفقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن ما يصل إلى 4.1 مليون إيراني قد يواجهون الفقر بسبب تداعيات الحرب، التي شملت أيضًا فرض الحكومة حصارًا انتقاميًا على مضيق هرمز، مما تسبب في اضطرابات اقتصادية عالمية وضغوط على واشنطن لإنهاء الصراع.
في المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصارًا على الموانئ الإيرانية منذ أبريل/نيسان، مما حد من قدرة إيران على تصدير نفطها وغازها، وأثر على وارداتها البحرية، ما أدى إلى شلل في النظام الاقتصادي المعتمد على صادرات الطاقة.
تحتاج إيران إلى إعادة إعمار واسعة النطاق بعد الحرب، بالإضافة إلى معالجة تدهور البنية التحتية الذي تراكم على مدى سنوات العقوبات، لكن نقص التمويل وعدم وضوح المستقبل الاقتصادي يعوقان التخطيط لمشاريع البناء الجديدة.
فرضت الحكومة إغلاقًا واسع النطاق للإنترنت بعد اندلاع الحرب بحجة الأمن القومي، ما ألحق أضرارًا جسيمة بالشركات التي تعتمد على الإنترنت في عملياتها، مع خسائر اقتصادية تقدر بأكثر من 6 ملايين دولار يوميًا.
رغم وجود قطاع زراعي محلي يوفر معظم الاحتياجات الغذائية، استمرت أسعار المواد الغذائية في الارتفاع الحاد، مما زاد من حدة التضخم الذي تفاقم بسبب انهيار الريال الإيراني تحت وطأة العقوبات الأمريكية.
قبل اندلاع الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، كان معدل التضخم السنوي في أسعار المواد الغذائية يقارب 90%، فيما أشارت تقارير حكومية حديثة إلى تضاعف أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل زيت الطهي والأرز والدجاج حتى ثلاث مرات خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بالعام السابق.
المحلل الاقتصادي محمد رضوي، الأستاذ المتقاعد بجامعة "آزاد" في طهران، أعرب عن قلقه من الضغوط التي تواجه الطبقتين المتوسطة والدنيا، مشيرًا إلى تضرر العديد من الشركات التابعة للطبقة المتوسطة بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.
وقال رضوي: "كثُر الحديث عن التضخم في أمريكا أو في دول غربية، لكن لا اهتمام يذكر بالتضخم المستمر هنا، أو بتكاليف إعادة الإعمار التي ستؤثر على الاقتصاد خلال شهرين". وأضاف: "الوضع الاقتصادي في إيران خلال الصيف سيكون بالغ الخطورة، ولا أرى حلولاً لتخفيف الضغوط الحالية".
بينما يعاني السكان المدنيون من أضرار اقتصادية جسيمة، تمكنت فئة قليلة من الأفراد من استغلال الفساد والنفوذ السياسي للاستحواذ على ثروات غير متناسبة مع حجمهم.
توسعت شبكة الشركات المرتبطة بالدولة والشركات شبه الخاصة والأمنية على مدى عقود من العقوبات والحرب، مستفيدة من نظام العقوبات الذي استهدف الاقتصاد الإيراني.
تعود أصول هذه الشبكة إلى عملية الخصخصة الجزئية التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، والتي قُدمت على أنها انتقال نحو اقتصاد السوق، لكنها في الواقع طمست الفارق بين الملكية العامة والخاصة، مما أدى إلى إنشاء منظومة من الشركات الخاصة اسميًا مرتبطة بالدولة والمؤسسات السياسية والأجهزة الأمنية.
مع مرور الوقت، سيطرت الشركات ذات العلاقات السياسية على القطاعات الاقتصادية الرئيسية عبر التحكم في نقاط الاختناق في النظام الاقتصادي الخاضع للعقوبات، مما جعل الشركات الصغيرة المستقلة أكثر عرضة لتأثيرات الحرب والعقوبات والعزلة الاقتصادية.
وذكر رضوي أن "العقوبات تستوجب منح استثناءات وتراخيص لأشخاص ذوي نفوذ لتحقيق الربح، ما يؤدي إلى المحسوبية والاحتكارات ونظام قابل للاستغلال". وأوضح أن هذا النظام يشمل قطاعات مثل النفط والاتصالات والرعاية الصحية.
وأشار إلى أن تراخيص خاصة تُمنح لفصائل من القوات المسلحة لبيع النفط واستيراد معدات الاتصالات والمعدات الطبية، مع تعيين أمناء عبر النظام المصرفي في دول معينة لإدارة العملات الأجنبية الإيرانية خارج البلاد.
وأكد المحلل الاقتصادي أن هذه العمليات تؤدي إلى تحويل مليارات الدولارات دون أي شفافية أو رقابة من الجهات المختصة.



