العالم

أعاد تداخل التصريحات المتناقضة وتوجيه الرسائل المبطنة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحديث عن مناورات التضليل لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، بعد تصريحات أدلى بها ترامب توحي بالتهدئة ظاهريًا، دون أن تغلق الباب أمام الخيار العسكري.
وبين الحديث عن إلغاء إعدامات جماعية، والتنصل من وعود ترامب لدعم المتظاهرين، والتلميح إلى إعادة خلط الأوراق عسكريا وسياسيا تثار تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تمهّد لجولة جديدة من التصعيد، أم تستخدم الغموض في موقفها سلاحا تفاوضيا مع طهران.
وبعد لحظات من توجيه ترامب الشكر لقادة إيران الجمعة، سُئل ترامب عن مدى استمرار وعده للمتظاهرين بأن "المساعدة قادمة"، فتجنب الإجابة قائلاً: "سنرى. لقد ألغت إيران 800 عملية إعدام شنقًا، وكانوا يخططون لإعدام أكثر من 800 شخص أمس، وأنا أقدّر حقا إلغاءهم لها".
وخلال حديثه مع الصحفيين أثناء تنقله من البيت الأبيض إلى منتجعه في مارالاغو بفلوريدا. سُئل ترامب عما إذا كانت إسرائيل والدول العربية قد "أقنعته" بعدم مهاجمة إيران، فأجاب: "لم يقنعني أحد، لقد أقنعت نفسي"، مجددا تأكيده على أن إلغاء عمليات الإعدام الجماعي كان له "أثر كبير".
ومن المتوقع أن تثير تصريحات ترامب استياءً وربما خيبة أمل لدى معارضي النظام الإيراني، إلا أن الأمير رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أُطيح به في الثورة الإسلامية عام 1979، أعرب يوم الجمعة عن أمله في أن يلتزم ترامب بوعوده المتعلقة بتقديم المساعدات.
مناورات التضليل
صرحت كارولين ليفيت ، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان يوم الجمعة، بأنه لا أحد يعلم ما سيقرره ترامب في نهاية المطاف سوى الرئيس نفسه.
وأضافت: "إنه يُبقي خياراته مفتوحة وسيتخذ القرارات التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة والعالم".
واستذكر محللون سياسيون وعسكريون مناورات التضليل التي سبقت الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران، والتي تضمنت، إعلانا بأن ترامب سيقرر شن هجوم على إيران "خلال أسبوعين" فقط، قبيل وقوع الهجوم مباشرة.
لذلك، لا يُستغرب استمرار حالة الضبابية حتى الآن، رغم تكرار ترامب إشاراته إلى تراجعه عن فكرة شن هجوم جديد على إيران في الوقت الراهن. ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مصادر في الولايات المتحدة والشرق الأوسط أن ترامب ربما يسعى ببساطة لكسب الوقت لنقل الأصول العسكرية وتجميع "قوة نارية" كافية.
وفقا لتقارير أمريكية، قرر ترامب الامتناع عن شن هجوم في الوقت الحالي، جزئيًا بسبب مخاوفه من أن حتى قصفًا واسع النطاق قد لا يحقق ضربة قاضية تكفي لتفكيك النظام الإيراني، كما كان يأمل أن يحدث الهجوم في السابق.
حسابات تفاوضية
وواجه قرار تعليق أو إلغاء الهجوم ضغوطا كبيرة من الدول العربية التي سعت لتجنب التصعيد الإقليمي، كما أعربت إسرائيل عن قلقها بشأن حالة أنظمة الدفاع لديها بعد استخدامها المكثف في الحرب السابقة مع إيران، ورأت أن أي هجوم حالي لن يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.
وبحسب مراقبين فإن إبقاء ترامب على الخيار العسكري مطروحًا قد يخدم حساباته التفاوضية في حال استئناف المحادثات مع إيران للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجيها النووي والصاروخي. ففي الأشهر التي سبقت الهجوم على المنشآت النووية في يونيو/حزيران، أجرت طهران وواشنطن سلسلة من جولات التفاوض، لوّح خلالها ترامب بإمكانية شن هجوم في حال رفضت إيران شروطه، وفي مقدمتها الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم.
وقد رفضت إيران تلك الشروط وتعرضت بالفعل للهجوم، إذ لم توقف التخصيب رغم تعرض مواقعها لأضرار واسعة، وصفها ترامب بأنها "دُمّرت"، لكنها لا تزال تمتلك مخزونا كبيرا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، يُعتقد أنه قد يكفي، مع فترة تخصيب إضافية قصيرة، لإنتاج ما لا يقل عن تسع قنابل نووية.
وفي الوقت ذاته، استأنفت طهران إنتاج الصواريخ الباليستية بوتيرة أثارت قلقًا متزايدًا لدى إسرائيل، التي كانت تفكر في توجيه ضربة لها حتى قبل اندلاع الاحتجاجات الأخيرة.
تحسبا لاحتمال استئناف المفاوضات، ذكرت القناة 12 العبرية أن رئيس الموساد ديدي بارنيا وصل إلى الولايات المتحدة الجمعة لإجراء مباحثات حول الوضع في إيران، ومن المتوقع أن يلتقي، من بين آخرين، بالمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في ميامي.
كما أفادت تقارير عبرية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أجرى محادثة ثانية مع ترامب في اليوم نفسه، بعد محادثتهما السابقة يوم الأربعاء التي طلب خلالها تأجيل الهجوم على إيران.