العالم

كشفت صحيفة التلغراف البريطانية في تقرير موسع، أن عدداً من الدول الأوروبية الواقعة على حدود حلف شمال الأطلسي (الناتو) تعمل على استعادة المستنقعات كجزء من استراتيجية دفاعية تهدف لإعاقة أي تحركات عسكرية روسية محتملة، إلى جانب مواجهة آثار تغير المناخ.
وتستند الفكرة إلى درس مستخلص من الميدان الأوكراني؛ إذ ذكّرت الصحيفة بتصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي زعم فيه الشهر الماضي أن القوات الروسية كانت ستصل إلى كييف خلال 4 ساعات "لو لم تعلق دباباتها في الوحل".
غير أن الصحيفة أوضحت أن الواقع كان أكثر تعقيدًا، مشيرةً إلى أن الجيش الأوكراني، في فبراير/شباط 2022، قام بتفجير جزء من سد على نهر إربين شمال العاصمة، مما أدى إلى غمر مساحات واسعة وتحويلها إلى مستنقع غير قابل للاجتياز، ما أعاق تقدم القوات الروسية وساهم في حماية كييف.
هذا التكتيك البيئي، بحسب التقرير، وجّه رسالة واضحة: "دع الطبيعة تقاتل من أجلك"، وأثار هذا المفهوم اهتماماً متزايداً لدى الدول المجاورة لروسيا، لا سيما بولندا وفنلندا، اللتين تدرسان حالياً إعادة تأهيل مستنقعات أراضيهما كوسيلة دفاعية، بالتوازي مع أهداف المناخ.
وتُغطي المستنقعات الغنية بالخُث مساحات شاسعة من أراضي الاتحاد الأوروبي، من القطب الشمالي في فنلندا مرورًا بدول البلطيق وفجوة "سواوالكي" حتى شرق بولندا.
وتُعدّ هذه الأراضي من أكثر مخازن ثاني أكسيد الكربون كفاءة في الطبيعة، إلا أن تجفيفها يسبب انبعاثات كربونية هائلة تساهم في تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري.
وذكرت الصحيفة أن أوروبا فقدت نصف أراضيها الرطبة أو حولتها إلى أراضٍ زراعية، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى وضع خطة لإعادة تأهيل 30% من الأراضي الخثية المتدهورة بحلول عام 2030، في مسعى مشترك لمكافحة تغير المناخ وتعزيز التنوع البيولوجي.
إلا أن الجديد في هذا السياق، بحسب التلغراف، هو توظيف الأراضي الرطبة كأدوات دفاع عسكري، ووفقًا لمتحدث باسم وزارة الدفاع البولندية، فإن البيئة الطبيعية في المناطق الحدودية باتت "شريكًا أساسيًا" في تعزيز ما يُعرف بـ"الدرع الشرقي"، وهو مشروع دفاعي بولندي تبلغ تكلفته 1.9 مليار جنيه إسترليني، ويشمل توسيع وإحياء المستنقعات والغابات الحدودية.
كما علمت الصحيفة أن فنلندا، من جانبها، بدأت تنفيذ مشروع تجريبي لإعادة تأهيل المستنقعات على حدودها مع روسيا، ضمن خطة دفاعية تشمل استصلاح الأراضي الرطبة وتحويلها إلى حواجز طبيعية تمنع عبور المركبات الثقيلة.
ويُعلّق فيكتور كوتوفسكي، خبير بيئة الأراضي الرطبة والمستشار البيئي للحكومة البولندية، قائلاً: "في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت المستنقعات تُشكل حدودًا طبيعية وتُعدّ عوائق دفاعية. واليوم، ندرك من جديد أهمية الأراضي الرطبة كأداة استراتيجية".
وأشار إلى أن المستنقعات، بفضل تضاريسها الوعرة ومياهها المشبعة، لا يمكن عبورها بالمركبات الثقيلة، مستشهدًا بحادثة ميدانية وقعت هذا العام عندما لقي أربعة جنود أمريكيين حتفهم خلال تدريب عسكري في ليتوانيا، بعدما غرقت مركبتهم المدرعة، التي تزن 63 طنًا، في مستنقع.
من جهته، أكد باولي آلتو-سيتالا، النائب عن حزب الائتلاف الوطني الحاكم في فنلندا وضابط الدبابات السابق، أنه كان أول من دعا إلى استعادة الأراضي الرطبة على الحدود الشرقية لبلاده، معتبرًا أن تلك المبادرة تمثل نقطة التقاء نادرة بين المدافعين عن البيئة ومسؤولي الدفاع.
وقال: "الأمر ليس صعبًا، ويمكن تنفيذه بسرعة نسبية، بخلاف إعادة التشجير التي تستغرق عقودًا". ووفق تقديراته، يمكن إغراق المستنقعات الحدودية خلال عام واحد فقط.
وتشكل الأراضي الرطبة نحو ثلث مساحة فنلندا، غير أن نصفها تقريبًا جفف بالفعل، ما دفع الحكومة الفنلندية إلى تنفيذ حملة استصلاح موسعة.
بدوره، ذكّر بيكا توفيري، الجنرال المتقاعد وعضو البرلمان الأوروبي عن فنلندا، بأن الدبابات السوفيتية واجهت صعوبات كبيرة خلال محاولاتها عبور الأراضي المستنقعية والغابات أثناء الغزو السوفيتي لفنلندا عام 1939.
وقال: "لطالما كانت الطبيعة جزءًا مهمًا من دفاع فنلندا"، مضيفًا أن روسيا اليوم تواجه تحديات مماثلة، حتى في عبور الحواجز المائية الضيقة، ما يعزز جدوى خيار "إعادة ترطيب الأراضي" كأداة دفاعية فعالة وغير مكلفة.
أما في إستونيا، فأكدت وزارة المناخ أنها تدرس بنشاط إمكانية إعادة تأهيل المستنقعات بهدف تعزيز الدفاعات ضد أي تهديد روسي محتمل، إلى جانب التصدي لتغير المناخ.
كما تُخطط إستونيا، إلى جانب ليتوانيا ولاتفيا، لدمج أراضي الخث ضمن مشروع "خط دفاع البلطيق"، رغم أن الخطط لا تشمل حتى الآن إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.
ومع ذلك، تُواجه هذه الاستراتيجية تحديات في دول أوروبية أخرى، لا سيما في ألمانيا، التي جففت غالبية أراضيها الرطبة في العقود الماضية.
وصرّحت ناتالي جينينغ من وزارة الدفاع الفيدرالية الألمانية للصحيفة أن إعادة ترطيب الأراضي الرطبة "قد تكون ميزة وعيبًا في آنٍ واحد"، إذ قد تعيق تحركات قوات الناتو في حال شن هجوم مفاجئ من روسيا، ما يستدعي تحركًا سريعًا شرقًا عبر الأراضي الألمانية.
رغم ذلك، أقرت جينينغ بأن تكتيك "إغراق الأرض" لإعاقة العدو "أُستخدم تاريخيًا ولا يزال خيارًا قابلًا للتنفيذ حتى اليوم"، مشيرةً إلى وجود تحديات قانونية وبيئية، بما في ذلك حقوق الملكية الخاصة، ووقف الأنشطة الزراعية والغابات في بعض المناطق، وهو ما قد يؤثر على آلاف الأشخاص وسبل معيشتهم.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن فيضان حوض نهر إربين، رغم كونه فعّالًا في إنقاذ كييف، إلا أنه كان مدمّرًا بيئيًا ومؤلمًا لسكان المنطقة، الذين فقد كثير منهم منازلهم وأراضيهم.
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان