العالم

بعد مدة طويلة من ابتعادها عن الأضواء، لفت حضور مفاجئ لـ"المرأة الأقوى في روسيا" انتباه العالم، وفقًا لصحيفة "التايمز" البريطانية.
وقالت الصحيفة إن فالنتينا ماتفيينكو، رئيسة مجلس الاتحاد الروسي، تعد إحدى أقرب حلفاء الرئيس الروسي فلادمير بوتين، وأعلى امرأة في الدولة تعيينًا.
وبحسب الصحيفة، فإنه على مر عقود، ظهر حلفاء مقربون لبوتين واختفوا، مدفوعين بالطموح أو الجشع أو عدم القدرة على إرضاء "القيصر الحديث"، ومع ذلك، كانت هناك سمة مشتركة بين أولئك الذين صمدوا، وهي أنهم يميلون إلى الانحدار من سانت بطرسبرغ، المدينة التي صنعت فلاديمير بوتين.
واليوم تعتبر المدينة أيضًا موطنًا لامرأة وصفت بأنها الأقوى في روسيا. وعلى النقيض من الأخريات في بلاط بوتين، صمدت ماتفيينكو إلى حد كبير "لأنها نجحت في عدم جذب الانتباه غير المرغوب به".
ومع ذلك، قد يتغير هذا الوضع مع احتدام الخلاف الدبلوماسي، إذ خرجت ماتفيينكو من الظل لتظهر خلال رحلة قامت بها إلى جنيف.
وفي تجمع "رئيسات البرلمانات" هذا الأسبوع في سويسرا، الذي استضافه الاتحاد البرلماني الدولي، وهو منظمة عالمية جامعة للبرلمانات الوطنية، وصلت ماتفيينكو للاحتفال بالديمقراطية رغم خضوعها لعقوبات دولية.
ووصفت وزارة الخارجية الأوكرانية ظهورها في جنيف بأنه "عار" وقالت إنه أمر "ما كان ينبغي أن يحدث".
وعرض التلفزيون الروسي صورًا لماتفيينكو وهي تُستقبل بالورود. وبلغ عدد مرافقيها 13 عضوًا، بمن فيهم نواب من مجلس الدوما، الغرفة البرلمانية الأدنى في روسيا، خاضعون لعقوبات، مقارنةً بوفد أوكرانيا الصغير المكون من ثلاثة أشخاص.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية في كييف: "سنواصل العمل بلا كلل لضمان قيام فالنتينا ماتفيينكو برحلة مختلفة، الرحلة التي تستحقها حقًا: إلى لاهاي، حيث ستبدأ المحكمة الخاصة بجريمة العدوان ضد أوكرانيا عملها قريبًا".
وترى الصحيفة أنه من نواحٍ عديدة، قدّمت هذه الضجة نظرة نادرة على آليات عمل الدائرة المقربة من بوتين.
وأصبحت ماتفيينكو، البالغة من العمر 76 عامًا، أعلى امرأة دولة تُعيّن في روسيا منذ عهد كاترين العظيمة عندما تولّت منصبها في المجلس عام 2011.
قبل ذلك، شغلت ماتفيينكو منصب نائبة رئيس الوزراء لشؤون الرعاية الاجتماعية في عهد الرئيس بوريس يلتسين عام 1998، وعيّنها بوتين حاكمةً لسانت بطرسبرغ عام 2003. وهناك، أشرفت على طفرة في البناء، وجذبت الشركات، ونُسب إليها الفضل في تحديث المدينة، رغم وجود مزاعم حول مناقصات غامضة، ومحسوبية، وفساد مستشرٍ.
إمبراطورية سياسية ومالية
ويرى الدكتور إيان غارنر، الأستاذ المساعد في معهد بيليكي في وارسو، أن ماتفيينكو تُعتبر أقوى امرأة في البلاد، نظرًا "للإمبراطورية السياسية والمالية التي بنتها لنفسها على مدار مسيرة مهنية امتدت إلى الحقبة الشيوعية".
ومع ذلك، يُحذّر من أن مكانتها، كأي شخص آخر في روسيا، تعتمد في نهاية المطاف على أهواء بوتين. "إذا سُحبت هذه الأهواء في مرحلة ما، فلن يكون لديها قاعدة نفوذ مستقلة تُمكّنها من مقاومة الرئيس".
وأضاف: "هذا ما يجعلها شخصية مثيرة للاهتمام. لقد شهدنا رحيل حلفاء بوتين القدامى، صعودًا وهبوطًا، على مدى عقود، وخاصةً خلال العامين الماضيين".
واستشهد بسيرجي شويغو، الذي أُقيل من وزارة الدفاع العام الماضي رغم كونه على ما يبدو من المقربين من بوتين، وكان يذهب معه في رحلات صيد.
ووفقًا لغارنر، فإن بوتين ينجذب إلى ماتفيينكو بسبب خلفيتهما المشتركة، فقد برزت، مثله، في السياسة في سانت بطرسبرغ ما بعد الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، وهي من بين "دائرة الأكثر ثقة".
وأضاف أن "خطوتها الحذقة، وإن كانت ميكافيلية، هي عدم إظهارها باستمرار أي التزام بأي مبدأ أو فكرة سياسية طوال مسيرتها المهنية، بل اتباع خطى من كان في السلطة في أي لحظة".
ومع ذلك، هناك رسالة واحدة تُشير إلى أنها متوافقة مع بوتين. فقد ألقت باللوم على كييف والغرب في الحرب في أوكرانيا، منسجمة مع الرواية الأوسع القائلة بأن الصراع مدفوع بطموحات جيوسياسية غربية.
كما أيدت علنًا تشريعات محلية تتماشى مع أولويات الكرملين، بما في ذلك قوانين تُشدد الرقابة على المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام الأجنبية والوصول إلى الإنترنت، وفق الصحيفة.
ولفتت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى فرضت على ماتفيينكو عقوبات لدعمها الحرب الروسية الأوكرانية وموافقتها على ضم شبه جزيرة القرم عام 2014. وقد أثار ظهورها في جنيف تساؤلات حول مدى التزام سويسرا بقائمة عقوباتها.
ومع بداية الحرب، حثّت ماتفيينكو الرئيس بوتين على "اتخاذ قرار" بشأن "النظام الدمية" الأوكراني، وفق وصفها، وقالت: "من غير الأخلاقي الاستمرار في مناقشة الأمر حتى الموت وإطالة أمده، بينما نتظاهر بأن شيئًا ما يتم القيام به".
وقال غارنر: "إذا توفي بوتين غدًا، وتولى حكومة أو فرد روسي مختلف تمامًا زمام الأمور وقاد البلاد في اتجاه مختلف، فلا شك لديّ في أن ماتفيينكو ستتبعهم بكل سرور طالما أن ذلك يعود عليها بالنفع المالي والسياسي."
وتابع: "قد يتولى شخص أكثر ليبرالية زمام الأمور، فتسير على خطاهم وتعود إلى السياسيين الأكثر ميلًا للأعمال التجارية الذين شهدناهم في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أو قد تسلك روسيا طريقًا أكثر ظلمة واستبدادًا، أو حتى فاشيّة، مما رأيناه حتى الآن. لا أعتقد أنها ستتردد في سلوك هذا الطريق أيضًا."