العالم

خرج أحد أهم مسؤولي الأمن وأكثرهم غموضًا في الصين من الظل، بعدما كُشفت هويته، بمساعدة قائمة ضيوف نشرها البيت الأبيض.
وكان المسؤول، الذي ظهر في مناسبات عدة إلى جانب الزعيم الصيني شي جين بينغ خلال السنوات الأخيرة، معروفا لدى مراقبي الشأن الصيني باسم تشو هونغشو، ويُعتقد أنه مدير مكتب الحرس المركزي، وهو جهاز يشبه جهاز الخدمة السرية الأمريكي.
لكن بكين لم تؤكد علنًا من قبل منصب تشو، فيما لا تتضمن سيرته الرسمية سوى تفاصيل محدودة لا توضح كثيرا بشأن موقعه الوظيفي، بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن" الإخبارية.
ولم يُحسم منصبه رسميا إلا بعدما نشر البيت الأبيض قائمة بأسماء الضيوف الصينيين ومناصبهم الرسمية، الذين حضروا مأدبة الدولة التي أقامها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا للرئيس شي.
وسلط حضور تشو في هذا اللقاء الدبلوماسي رفيع المستوى الضوء على مجموعة من كوادر الحزب والمسؤولين الأمنيين من الجيل الأصغر، الذين أصبحوا من بين أكثر مساعدي شي ثقة، وذلك قبل عام واحد فقط من المؤتمر الوطني المقبل للحزب الشيوعي الحاكم، الذي غالبا ما يحدد المناصب القيادية الرئيسة في البلاد.
وفي لقطات بثها التلفزيون المركزي الصيني الرسمي، ظهر تشو بين ضيوف مأدبة الدولة، مرتديا سترة ماو مغلقة الأزرار، وواقفًا خلف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مباشرة.
كما ظهر تشو في مناسبة دبلوماسية رفيعة المستوى ونادرة في وقت سابق من هذا الشهر، عندما التقى شي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في نيودلهي.
وأظهرت لقطات رسمية تشو جالسا بين نائبي وزير الخارجية الصيني، رغم أن وسائل الإعلام الرسمية لم تحدد هويته، على الرغم من ظهوره الواضح في المشهد. وقال محللون إن تزايد ظهور تشو علنًا يستحق الانتباه.
ونقلت "سي إن إن" عن دنغ يوين، نائب رئيس تحرير سابق لمجلة "ستادي تايمز"، النشرة الرسمية لمعهد التدريب الأعلى التابع للحزب، قوله إن "تشو قد يكون أول مسؤول أمني رفيع المستوى يشارك في مثل هذه المحادثات الدبلوماسية البارزة، وفقا لما هو موثق علنا من ظهوراته".
وأضاف دنغ أن ظهور تشو في مأدبة الدولة التي أقامها البيت الأبيض قد يشير إلى أن "شي أراد عمدا إظهاره أمام الرأي العام".
وقال: "إذا كان شي يمنحه هذا النوع من الظهور بشكل متعمد، فذلك يشير إلى أنه يُكلّف بمسؤوليات أكبر، وربما يُمنح دورا أكثر أهمية في التعديل المرتقب للقيادة".
شخصية غامضة في الداخل
ويُعد مكتب الحرس المركزي من أكثر أجزاء جهاز الأمن الصيني الواسع سرية.
وعلى غرار جهاز الخدمة السرية الأمريكي، يتولى المكتب حماية كبار قادة الصين، إلى جانب مجمع تشونغنانهاي في قلب بكين، حيث يقيم قادة البلاد.
ووصف الإعلام الرسمي الصيني المكتب بأنه "منظمة استثنائية للغاية، تجمع بين مجالي الشرطة والجيش، وتتطلب ثقة عميقة من القيادة العليا للبلاد".
وأصبح الغموض المحيط بتشو ممارسة شائعة في وقت تسعى فيه بكين خلال السنوات الأخيرة إلى تشديد الرقابة على المعلومات المتعلقة بالمسؤولين الرئيسين، ولا سيما أولئك الذين يعملون مباشرة مع شي.
وكانت وكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية قد ذكرت أنه اختير واحدا من مندوبي المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني عام 2022، وهو تجمع سياسي كبير عزز السلطة السياسية لشي من خلال منحه ولاية ثالثة غير مسبوقة.
ولا يزال تشو شخصية غامضة ومنخفضة الظهور داخل الصين، ولا يمكن رصد ظهوره السابق إلا من خلال لقطات مقتضبة بثتها وسائل الإعلام الرسمية أثناء مرافقته شي في مناسبات دبلوماسية رئيسة.
ولا تتوفر، في المقابل، معلومات تذكر عن تعليمه وخلفيته، أو عما إذا كان قد عمل في الجيش أو الأجهزة الأمنية الصينية.
وأظهرت صور أقدم نشرتها وسائل الإعلام الصينية الرسمية تشو وهو يحضر مناسبات مختلفة، فيما كانت بطاقة تحمل اسمه ظاهرة على الطاولة أمامه.
وعندما عقد شي قمة مع الرئيسة النيبالية بيديا ديفي بنداري في كاتماندو في أكتوبر/تشرين الأول 2019، ظهر تشو جالسا خلف الزعيم الصيني. كما رافق شي في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ "أبيك" في سان فرانسيسكو عام 2023.
وكان سلف تشو، وانغ شاو جون، قد توفي في أبريل/نيسان 2023. ولم تؤكد وسائل الإعلام الصينية الرسمية وفاته إلا بعد ثلاثة أشهر، مشيرة إلى إصابته بمرض لم تحدده.
ولم تكشف وسائل الإعلام الرسمية عن منصبه حينها إلا بعد وفاته، عندما أكدت أنه كان مدير مكتب الحرس المركزي. ولم يُعلن رسميا عن خليفة له.
ومن المرجح أن يكون تشو، مثل وانغ، قد تدرج في صفوف جيش التحرير الشعبي الصيني، إذ ظهر إلى جانب وانغ خلال جولة تفقدية أجراها شي عام 2018 للقيادة الشمالية لجيش التحرير الشعبي، وكان كلاهما يرتدي الزي العسكري.
وتأسس مكتب الحرس المركزي عام 1950، لكنه يعود في جذوره إلى فترة الحرب الأهلية الصينية، عندما كان الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ يخوضون معارك ضد خصومهم القوميين.
وكان أول رئيس للمكتب وانغ دونغشينغ، أحد الحراس الشخصيين لماو. وأصبح وانغ لاحقا نائبا لرئيس الحزب وعضوا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب.
وبحسب مقال نشرته "تشاينا نت"، وهي وسيلة إعلام مرتبطة بالدولة، عام 2014، وهو واحد من المقالات الرسمية القليلة التي تناولت المكتب، فإن هيكله التنظيمي يقع ضمن وزارة الأمن العام الصينية، حيث يُعرف باسم "المكتب التاسع". لكنه يعمل بصورة مستقلة عن الوزارة ويرفع تقاريره إلى مجلس الوزراء التابع لشي.
تعديل مرتقب في قيادة الحزب
لطالما شكلت السياسة النخبوية الغامضة في الصين مصدر اهتمام للصحفيين والباحثين والحكومات الأجنبية.
كما تتزايد التكهنات ومحاولات قراءة الإشارات الواردة في الإعلانات الرسمية الصينية وتقارير وسائل الإعلام الحكومية مع اقتراب الاجتماعات الرئيسة للحزب الشيوعي.
وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام المقبل، سيعقد الحزب مؤتمره الوطني الحادي والعشرين، وهو اجتماع سياسي يعقد مرة كل خمس سنوات، ويشهد عادة تعديلات مهمة في القيادة.
وسيكون معظم كبار المسؤولين الحاليين قد تجاوزوا سن السبعين بحلول ذلك الوقت، ومن بينهم كبير الدبلوماسيين الصينيين وانغ يي، الذي سيبلغ 73 عاما العام المقبل.
وسيتابع المراقبون من كثب ما إذا كان جيل أصغر من كوادر الحزب فسيترقى إلى مناصب رئيسية في السلطة، ولا سيما المكتب السياسي للحزب ولجنته الدائمة، التي تمثل الدائرة الداخلية الأقرب إلى شي.
وكان من بين المسؤولين الشباب الآخرين الذين حضروا مأدبة البيت الأبيض المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، البالغة 53 عاما، وهونغ لي، رئيس المراسم في وزارة الخارجية الصينية البالغ 57 عاما، ولو لوهوا، السكرتير الشخصي لشي، الذي أصبح حضوره شبه دائم خلال الزيارات الخارجية.



