العالم
قنبلة "باسم الشعب".. هل يمهّد الحرس الثوري لتغيير العقيدة النووية؟

لم تعد الدعوة إلى امتلاك القنبلة النووية في إيران مجرد موقف تتبناه شخصيات متشددة، بل تحوّلت إلى حملة سياسية وإعلامية متصاعدة تسعى إلى تقديم السلاح الذري باعتباره مطلباً شعبياً، في تطور يعكس اتساع الجدل داخل مؤسسات النظام بشأن التخلي عن العقيدة التي حكمت البرنامج النووي لعقود.
وتكشف تقارير نشرتها وسائل إعلام إيرانية وغربية خلال الأيام الأخيرة عن انتقال المطالبة بالقنبلة من تصريحات النواب إلى منابر الجمعة والصحف المحافظة والمنصات المرتبطة بالحرس الثوري، بالتزامن مع ضغوط لإعادة النظر في الفتوى التي أصدرها المرشد السابق علي خامنئي بتحريم الأسلحة النووية.
وتأتي هذه التحركات بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي ظل جدل متصاعد بشأن قدرة الترسانة الصاروخية الإيرانية وحدها على منع هجمات جديدة، وما إذا كان امتلاك سلاح نووي سيغير معادلة الردع.
صناعة المطلب الشعبي
في 28 أكتوبر، كشفت "إيران إنترناشيونال" عن نشر وكالة فارس، المرتبطة بالحرس الثوري، مقطعاً يتضمن مقابلات مع مواطنين إيرانيين يطالبون بامتلاك القنبلة النووية، تحت عنوان يطرح التساؤل عن سبب امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة ذرية وحرمان إيران منها.
وتكمن أهمية الخطوة في محاولة نقل القضية من نقاش بين المسؤولين العسكريين والسياسيين إلى مطلب يُنسب إلى المجتمع الإيراني، رغم أن المقابلات المنتقاة لا تشكل دليلاً علمياً على اتجاهات الرأي العام.
وتعزز هذا التوجه مع تصريحات خطيب الجمعة المؤقت في طهران محمد جواد حاج علي أكبري، الذي اعتبر الدعوات إلى مراجعة العقيدة النووية تعبيراً عن وعي وطني، وليس مجرد رد فعل عاطفي.
كما تحدث عن استطلاعات تشير إلى تأييد أكثر من 70% من الإيرانيين مراجعة العقيدة، من دون تقديم تفاصيل تسمح بالتحقق من منهجيتها أو تمثيلها للمجتمع.
وذهب النائب محمد تقي نقد علي إلى القول، إن شعار بعض التجمعات المؤيدة للنظام انتقل من المطالبة بالطاقة النووية إلى المطالبة بالرأس النووي.
فتوى خامنئي تحت الاختبار
يتجاوز الجدل الحالي مسألة امتلاك التكنولوجيا النووية إلى مراجعة الأساس الديني والسياسي الذي استندت إليه طهران طويلاً في نفي نيتها إنتاج أسلحة ذرية.
فقد دعا النائب أحمد نادري إلى إعادة النظر في الفتوى السابقة، ملمحاً إلى إمكانية تبني المرشد الجديد مجتبى خامنئي موقفاً مختلفاً عن والده.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر رجل الدين أحمد علم الهدى أن امتلاك وسائل الردع الضرورية، بما فيها السلاح النووي، يمكن أن يصبح واجباً دينياً إذا اقتضت الظروف الأمنية ذلك.
أما صحيفة "خراسان"، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فذهبت إلى أن تعديل العقيدة النووية لا يتعارض بالضرورة مع توجهات المرشد الراحل.
وكانت "وطن امروز" المحافظة دعت صراحة إلى تصنيع القنبلة، معتبرة أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية أظهرت محدودية الردع التقليدي.
وتكشف هذه المواقف محاولة لإعادة تفسير الموقف الديني السابق بما يتيح تغيير السياسة النووية من دون تقديمه باعتباره قطيعة مع إرث خامنئي.
خيار بين القنبلة والعتبة النووية
لا تتبنى جميع المؤسسات الإيرانية المؤيدة لتشديد الردع خيار تصنيع القنبلة فوراً. فقد طرحت وكالة "تسنيم"، المقربة من الحرس الثوري، تصوراً يقوم على تعميق القدرات النووية من دون إعلان تغيير رسمي للعقيدة، عبر الاحتفاظ بإمكانات تخصيب متقدمة مع الامتناع عن إنتاج سلاح فعلي.
ويقترب هذا الطرح من مفهوم "دولة العتبة النووية"، التي تمتلك قدرات تقنية متقدمة يمكن أن تقلص الزمن اللازم لتطوير سلاح، من دون أن تكون اتخذت قراراً بتصنيعه.
غير أن امتلاك اليورانيوم عالي التخصيب لا يعني تلقائياً امتلاك قنبلة قابلة للاستخدام، إذ يتطلب ذلك مراحل تقنية إضافية، بينما تبقى حالة المنشآت والمخزونات الإيرانية بعد الضربات العسكرية عاملاً حاسماً في تقييم القدرات الفعلية.
وكانت رويترز نقلت في مارس عن مصادر إيرانية رفيعة تصاعد الدعوات داخل المؤسسة الحاكمة لتغيير السياسة النووية، مع التأكيد حينها عدم اتخاذ قرار بإنتاج سلاح.
انقسام داخل النظام
في المقابل، ظهرت تحذيرات من تحويل الحملة الإعلامية إلى ضغط على صناع القرار. فقد حذرت منصة "نور نيوز"، القريبة من مجلس الأمن القومي، من اختزال قضية إستراتيجية معقدة في شعارات جماهيرية، مؤكدة ضرورة إخضاع الخيارات لتقييم متخصص بعيداً عن الانفعالات.
وانتقد موقع "عصر إيران" المحافظ المعتدل توظيف القضية في التعبئة السياسية، محذراً من أن الدعوات إلى تصنيع القنبلة قد تمنح خصوم طهران مبررات إضافية لتوسيع المواجهة.
كما اعتبر المتحدث باسم جبهة الإصلاح جواد إمام أن تغيير العقيدة النووية يرتبط بمستقبل البلاد واقتصادها وأمنها، ولا يجوز حسمه عبر التجمعات والشعارات.
وفي 31 أكتوبر، أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي عدم اتخاذ أي قرار رسمي بتعديل العقيدة النووية، رغم إقراره بتزايد المطالبات بمراجعتها.
وتضع هذه المواقف إيران أمام سؤال يتجاوز امتلاك القنبلة نفسها، ومفاده: هل تستخدم المؤسسة الحاكمة تصاعد المطالبات الشعبية المعلنة كورقة ضغط تفاوضية، أو أن البلاد تشهد بالفعل بداية تحوّل إستراتيجي في مفهوم الردع؟
وبينما لم تعلن طهران تغيير سياستها رسمياً، فإن انتقال النقاش إلى المؤسسات الدينية والإعلامية والأمنية يشير إلى أن الخيار النووي العسكري أصبح أكثر حضوراً في الجدل السياسي الإيراني، بعدما ظل لعقود محاطاً بقيود دينية ودبلوماسية.





