العالم
مدراء المدارس تحت التهديد.. احتجاجات الطلاب في فرنسا تخرج عن السيطرة
فيما شهدت معظم المدارس الثانوية في فرنسا إغلاقًا سلميًا لمداخلها خلال الاحتجاجات، تعرضت مدارس أخرى لأعمال تخريب، بعدما أُصيب عدد من مديري المدارس وتعرضوا للتهديد.
وروى عدد منهم الصعوبات التي واجهوها في التعامل مع هذه الأوضاع وإعادة فتح مؤسساتهم التعليمية، بحسب تقرير لصحيفة "لو موند" الفرنسية.
بدأت الاحتجاجات الطلابية في إحدى المدارس الثانوية في وادي اللوار، كما حدث في مدارس أخرى، بوضع عدد من حاويات القمامة أمام المبنى، وتنظيم الطلاب تظاهرات ومحاولات متكررة لإغلاق المدرسة، بدرجات متفاوتة من النجاح. ومرت الأيام الثلاثة الأولى بهدوء نسبي، حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول.
في ذلك اليوم، عند الساعة السادسة والنصف صباحًا، تجمع عدد من المراهقين، وهم يدفعون عربات تسوق من المتاجر وحاويات قمامة، أمام المدرسة التي تضم 1500 طالب، بعدما انتشرت رسائل تستهدف المؤسسة التعليمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
قالت مديرة المدرسة، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، إن الأمور بدأت تتصاعد عندئذ، إذ اعتدى شبان وصفتهم بأنهم "خارجون عن السيطرة"، وكانوا يرتدون سترات بقلنسوات وأقنعة، على نوافذ بهو المدرسة، وأطلقوا ألعابًا نارية. وتمكنت الشرطة من احتواء الموقف قبل أن تغادر المكان، لكن المجموعة عادت وأسقطت السياج الهش المحيط بالمدرسة، واقتحمت ساحتها.
وروت المديرة أن أحد الشبان اندفع نحوها ووجه إليها ضربة قوية في الصدر والبطن أفقدتها القدرة على التنفس للحظات، قبل أن يفر من المكان. وأوضحت أنها نُقلت إلى المستشفى، حيث مُنحت إجازة مرضية لمدة يومين، لكنها رفضت التوقف عن العمل وعادت إلى المدرسة في اليوم التالي. وقالت: "لم أستطع أن أترك فريقي في هذا الوضع".
ولا تزال المديرة تجهل هوية الشخص الذي اعتدى عليها، ولا تعرف حتى ما إذا كان أحد طلاب المدرسة. ورغم تأكيدها أنها لم تتعرض لصدمة نفسية، فإن مرارتها تبدو واضحة في ظل استمرار الوضع المضطرب، حتى بعد إغلاق المدرسة عدة أيام.
وأضافت: "من المفترض أن تكون مهمتي تربوية. وما يُطلب منا الآن لا يدخل ضمن مسؤولياتي".
شبان ملثمون وأعمال عنف غير مسبوقة
ألعاب نارية، ونوافذ محطمة، وحرائق، وتخريب، وإصابات؛ تلك هي الوقائع التي شهدتها بعض المدارس منذ انطلاق حركة الاحتجاجات في منتصف سبتمبر/أيلول. وفي حين اقتصرت الأحداث في معظم المؤسسات التعليمية على إغلاق المداخل والتظاهرات السلمية، أو ظلت بعض المدارس بعيدة عن الحركة الاحتجاجية، تحولت مؤسسات أخرى إلى أهداف لأعمال التخريب، وشهدت مواجهات عنيفة في بعض الأحيان.
ولم يعد مديرو هذه المدارس يتحدثون عن "حركة احتجاجية" بقدر ما يصفون ما يجري بأنه "أزمة". وبعد ثلاثة أسابيع من الأحداث، بات كثيرون منهم يشعرون بالاستنزاف، فيما يترقبون الأيام الأخيرة قبل عطلة الخريف المدرسية، التي تبدأ في 17 أكتوبر/تشرين الأول وتستمر حتى الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني.
ووفقًا لوزير التعليم الفرنسي إدوار جيفراي، تعرضت 24 مدرسة ثانوية على الأقل من أصل 3700 مدرسة في البلاد للحرق أو النهب منذ بدء الاحتجاجات، فيما لحقت أضرار بمئات المدارس الأخرى، بعضها كبير.
وأضاف الوزير أن أكثر من 210 طلاب أُصيبوا، بعضهم خلال تدخلات الشرطة، إلى جانب 88 موظفًا في قطاع التعليم الوطني، بينهم نحو 40 مدير مدرسة.
وقال جيفراي أمام لجنة الشؤون الثقافية في الجمعية الوطنية الفرنسية، في 7 أكتوبر/تشرين الأول، إن العاملين في القطاع استُهدفوا عمدًا في حالات كثيرة، ملقيًا باللوم على "مجموعات شديدة العنف تسللت إلى التجمعات".
وأضاف: "كان هناك قصد متعمد لممارسة العنف ضد المسؤولين في قطاع التعليم الوطني، ولم نشهد شيئًا من هذا القبيل من قبل".
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أُصيب ريتشارد كومو، مدير مدرسة أمبرواز بروجيير الثانوية في مدينة كليرمون فيران وسط فرنسا، بعدما اقترب نحو 10 شبان ملثمين من تظاهرة سلمية أمام المدرسة وأطلقوا ألعابًا نارية.
وقال كومو إن انفجار إحدى الألعاب النارية أصابه في الرأس، متسببًا في حرق بفروة الرأس. وأضاف، في محاولة للتخفيف من وقع الحادث: "لحسن الحظ، ليس لدي الكثير من الشعر".
وخلال الأيام التالية، اضطر إلى إرسال أحد مساعدي التدريس إلى الطبيب بعدما تعرض لفقدان جزء من حاسة السمع إثر إطلاق لعبة نارية بالقرب منه، فيما احترق معطف أحد العاملين الآخرين.
وتساءل كومو عن هوية الشبان الذين أطلقوا الألعاب النارية، وعن أسباب استهدافهم رموز الدولة والنظام التعليمي، سواء عبر الاعتداء على الموظفين أو المباني. وأكد أنهم، في تقديره، لم يكونوا من طلاب مدرسته.
وأوضح أنه تلقى عشرات الرسائل من الطلاب والخريجين، عبروا فيها عن دعمهم له وعن حيرتهم إزاء ما حدث.
وقال: "مبدئي الوحيد هو سلامة الطلاب، وحتى الآن، نتمكن كل يوم من منع الأمور من الخروج عن السيطرة".
ولم تؤد جميع الحوادث إلى إصابات أو أضرار في المباني، لكن مجرد احتمال وقوعها فرض ضغوطًا كبيرة على إدارات المدارس، التي لم يتمكن كثير منها من إبقاء أبوابه مفتوحة. وأُغلقت بعض المؤسسات عدة أيام، فيما أعادت أخرى فتح أبوابها ليوم واحد قبل إغلاقها مجددًا في اليوم التالي، بينما لجأت مدارس أخرى إلى إعادة الطلاب تدريجيًا، الأمر الذي يجعل من الصعب حتى الآن تقديم صورة واضحة وشاملة عن الوضع.
تهديدات وإهانات تستهدف مديري المدارس
وقال سيريل كوبو، مدير مدرسة بارك دي لوغ الثانوية في إيفري كوركورون، بالضواحي الجنوبية لباريس، في 8 أكتوبر/تشرين الأول، إن العودة إلى الوضع الطبيعي تختلف بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى.
وأضاف: "في مدرستي، لا أستطيع ببساطة إدارة الوضع"، معتبرًا أن إيجاد حل يجب أن يكون من مسؤولية المؤسسة التعليمية.
وأوضح كوبو أنه واجه نقطة تحول في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وهو اليوم نفسه الذي أوقفت فيه قوات الأمن أكثر من 1900 شخص، في رقم قياسي في فرنسا.
وتحول الاحتجاج الطلابي أمام مدرسته إلى مواجهات، أُضرمت خلالها النيران في حاويات القمامة وأُطلقت ألعاب نارية. وأشار إلى أن ذلك ارتبط جزئيًا بمشاركة شبان قدموا من خارج المدرسة، ما اضطره إلى إغلاق المبنى وإخلائه بمساعدة قوات الأمن.
ومنذ ذلك الحين، تعرض كوبو للتهديد والإهانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب "رغبته في إعادة فتح المدرسة". كما أُنتجت ملصقات باستخدام الذكاء الاصطناعي، عُدلت فيها إحدى صوره ليبدو كأنه الشيطان، فيما ظهر في ملصق آخر ووجهه تعلوه كلمة "مطلوب"، إلى جانب صورتي مديري مدرستين أخريين في المنطقة.
وقال، في إشارة إلى صدمته مما حدث: "أعمل في قطاع التعليم الوطني منذ 28 عامًا، وأكافح من أجل التعليم وتعلم الطلاب، ولم أتوقع أبدًا أن يبصق الناس في وجهي بهذه الطريقة".
ولم يتقدم بشكوى حتى الآن، بسبب ضيق الوقت، إذ انصب تركيزه على ضمان سلامة الطلاب.
وأثارت هذه الأوضاع المتقلبة في عشرات المدارس غضب الإدارات التعليمية واستنزفت طاقتها. وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول، قدمت النقابة الرئيسة التي تمثل العاملين في هذه المناصب إنذارًا رسميًا بشأن ظروف العمل.
وقال جيرار هاينز، مدير مدرسة في مدينة شوليه بمنطقة اللوار، رغم أن مدرسته لم تشهد حوادث كبيرة: "لقد استُنزفنا".
نقاشات مثمرة وسط أجواء مرهقة
مثل كثير من زملائه، ينتظر هاينز بفارغ الصبر بدء عطلة الخريف المدرسية، لكنه يخشى الأسبوع الأخير قبلها.
وقال: "نحن في حالة استنفار منذ الفجر، ونشعر بقلق دائم على السلامة، لكننا قلقون أيضًا على أنفسنا وعلى الشقق المخصصة للعاملين داخل المدارس. لم نعد قادرين على التحمل".
وأضاف أنه بدأ، للمرة الأولى خلال 25 عامًا من العمل، يتساءل عما إذا كان قادرًا على التعامل مع هذا الوضع.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه إدارات المدارس على تأمين المباني والطلاب، بل تشمل أيضًا التعامل مع التناقض بين مطالب الطلاب، التي يرى العاملون في قطاع التعليم أنها مشروعة عمومًا، ونوبات العنف التي ترافق الاحتجاجات.
وقال بيير فورييه، مدير مدرسة ثانوية كبيرة تضم 3000 طالب في أحد الأحياء المحرومة بمدينة بيزييه جنوبي فرنسا، إن التعايش المضطرب بين الظاهرتين يجعل إدارة الوضع صعبة للغاية.
وأشار إلى أن محيط المدرسة شهد مشاهد وصفها بأنها تشبه "حربًا حضرية"، شاركت فيها مجموعات من الشبان الذين قال إنهم لا ينتمون إلى المدرسة، بالتزامن مع انتشار مكثف لقوات الأمن.
وأضاف فورييه: "خلال 26 عامًا من العمل، شهدت تظاهرات كثيرة، حتى إن بعضها كان متوترًا بعض الشيء، لكنني لم أرَ من قبل مشاهد عنف كهذه".
وقال إنه خرج من الأسبوع الماضي منهكًا، ويشعر بالقلق على الطلاب الأكثر هشاشة، الذين توقفوا عن الحضور إلى الفصول الدراسية، معربًا عن خشيته من ألا يراهم مجددًا.
ومع ذلك، تمكن فورييه من إطلاق مشاورات موسعة مع الطلاب، وأسفرت المناقشات عن نتائج وصفها بالمثمرة.
وقال: "لقد ارتقى فريقنا وطلابنا فعلًا إلى مستوى التحدي المدني الذي فرضته هذه الفترة، وهذا يلخص حالة التناقض التي نعيشها".
آخر الأخبار

نتنياهو يعقد اجتماعاً أمنياً.. وتحليق كثيف فوق لبنان

مجلس إدارة كهرباء لبنان يوافق مبدئياً على إعادة تشغيل معملي الزوق والجية

وزير العدل: لن يتدخل أحد في التحقيق بمتفجرات حزب الله


