تكنولوجيا وعلوم
اكتشاف نظرية الأوتار دون البحث المباشر عنها
في دراسة حديثة، اكتشف علماء الفيزياء خصائص نظرية الأوتار من خلال منهجية رياضية جديدة دون افتراضات مسبقة عن الأوتار.

في محاولة لفهم أفضل للجاذبية الكمومية، تعرّف علماء الفيزياء على علامات مميزة لنظرية الأوتار بشكل غير متوقع. هذه النظرية، التي تطورت في ستينيات القرن الماضي، تطرح أن الكون قد يتكوّن من أوتار دقيقة تهتز على مستويات أصغر بكثير من البروتونات.
تسعى نظرية الأوتار إلى دمج ميكانيكا الكم مع النسبية العامة، وهما نظريان يصفان العالم من زوايا مختلفة، حيث تفسر ميكانيكا الكم سلوك المادة والطاقة على مقاييس دقيقة جداً، بينما تصف النسبية العامة الجاذبية وبنية الكون على نطاقات واسعة. ومع ذلك، تواجه الفيزياء صعوبة في توحيد هذين الإطارين بسبب تعقيدات رياضية تظهر عند محاولة تطبيق الجاذبية كمياً.
تقدم نظرية الأوتار حلاً بديلاً من خلال استبدال الجسيمات النقطية بأوتار دقيقة تهتز، حيث تولد هذه الاهتزازات المختلفة جميع الجسيمات المعروفة، بما في ذلك الجرافيتون، الجسيم الافتراضي الذي يُعتقد أنه حامل للجاذبية. كما تتوقع النظرية وجود عشرة أبعاد على الأقل، بدلاً من الأبعاد الأربعة التي نختبرها يومياً.
منهجية البوتستراب في دراسة الأوتار
نظرًا لصعوبة اختبار نظرية الأوتار بشكل مباشر بسبب الحاجة إلى طاقات هائلة تفوق قدرات مسرعات الجسيمات الحالية، لجأ الفيزيائيون إلى منهجيات بديلة مثل منهجية "البوتستراب". تعتمد هذه الطريقة على فرضيات عامة حول سلوك الطبيعة، ومن ثم دراسة البنى الرياضية التي تظهر من هذه الفرضيات.
في ورقة بحثية بعنوان "الأوتار من لا شيء تقريباً"، قُبلت للنشر في مجلة Physical Review Letters، استخدم باحثون من معهد كالتيك وجامعة نيويورك ومعهد فيزياء الطاقات العالية في برشلونة هذه الطريقة لدراسة تفاعلات الجسيمات عند طاقات عالية جداً. ومن خلال عدد محدود من الفرضيات حول تشتت الجسيمات، تمكنوا من استنتاج خصائص أساسية لنظرية الأوتار.
يقول كليفورد تشيونغ، أستاذ الفيزياء النظرية ومدير منتدى لينويبر للفيزياء النظرية في كالتيك: "الأوتار ظهرت بشكل طبيعي، لم نبدأ بأي فرضيات عن الأوتار، لكن الحل احتوى على العلامات الأساسية للأوتار".
طيف الجسيمات اللانهائي وأهميته
من العلامات المهمة التي ظهرت في الدراسة هو طيف الأوتار، الذي يشير إلى وجود سلسلة لا نهائية من الجسيمات ذات كتل وأزواج دورانية متزايدة. اكتشف الفيزيائي الإيطالي غابرييل فينيزيانو في أواخر الستينيات دالة رياضية تصف هذا الطيف في تجارب تصادم الجسيمات.
يشرح تشيونغ أن العلماء لاحظوا أن هذا الطيف يشبه الاهتزازات التوافقية للأوتار الموسيقية، مثل وتر الكمان الذي ينتج نغمة أساسية مع سلسلة من التوافقيات الأعلى. تقترح نظرية الأوتار أن الجسيمات تنشأ من أنماط اهتزازية مشابهة.
أصبح الرابط بين نظرية الأوتار والجاذبية أوضح في عام 1974 عندما أدرك الفيزيائيان جون شوارتز من كالتيك وجويل شيرك من فرنسا أن النظرية تشمل الجاذبية بشكل طبيعي. ويقول شوارتز: "كنا متحمسين لأن نظرية الأوتار يمكن أن توفر نظرية كمومية موحدة لكل شيء، رغم أننا لم نكن مهتمين بالجاذبية في البداية".
تحديات الجاذبية الكمومية والثبات الرياضي
ركزت الدراسة الجديدة على حسابات تشتت الجسيمات، التي تستخدم للتنبؤ بنتائج التصادمات. عند طاقات عالية جداً قريبة من مقياس بلانك، تنتج حسابات النسبية العامة نتائج لا معنى لها بسبب اللانهاية التي تظهر في المعادلات.
يقول تشيونغ: "عند تصادمات طاقات عالية جداً، تتفكك الحسابات بشكل كامل". لكن نظرية الأوتار تتجنب هذه المشكلة عبر خاصية تسمى "النعومة الفائقة"، حيث تصبح التفاعلات أقل عنفاً مع زيادة الطاقة، مما يمنع المعادلات من الوصول إلى اللانهاية.
استخدم الباحثون هذه الخاصية كأحد الافتراضات الأساسية، بالإضافة إلى فرضية "الصفر الأدنى" التي تحد من نقاط خاصة حيث تختفي احتمالات التشتت. ومن خلال هذين الافتراضين فقط، أظهرت المعادلات خصائص نظرية الأوتار بشكل طبيعي، بما في ذلك طيف الجسيمات وقوى التفاعل.
إحياء فكرة قديمة في الفيزياء
يشبه تشيونغ منهجية البوتستراب بحل لغز سودوكو، حيث تبدأ بمجموعة قواعد بسيطة وتبحث عن الحل الوحيد الذي يحقق جميع الشروط. ويشير إلى أن هذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى اكتشافات فينيزيانو وشوارتز الذين لم يبدأوا من نماذج نظرية الأوتار، بل ظهرت الحلول من المبادئ الأساسية.
كما ينسب تشيونغ الفضل إلى رواد سابقين في تطوير منهجية البوتستراب مثل ستيفن فروتشي من كالتيك وجيفري تشيو من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، اللذين كشفا في ستينيات القرن الماضي عن تلميحات مبكرة لطيف الجسيمات اللانهائي المرتبط بنظرية الأوتار.
يقول هيروسي أوجوري، أستاذ الفيزياء النظرية والرياضيات في كالتيك: "كانت فكرة البوتستراب قد أصبحت قديمة، لكن الآن يتم إحياؤها وتحديثها بفهم أفضل وافتراضات أقوى لتحليل تشتت الجسيمات".
تلقى البحث دعماً من وزارة الطاقة الأمريكية، ومعهد والتر بيرك للفيزياء النظرية، ومنتدى لينويبر للفيزياء النظرية، وزمالة جيمس آرثر لما بعد الدكتوراه في جامعة نيويورك، ومبادرة الجيل القادم في الاتحاد الأوروبي. كما شارك في البحث فرانشيسكو سيوتي من معهد فيزياء الطاقات العالية في برشلونة وميشيل تاركيني، طالب دراسات عليا في كالتيك.
آخر الأخبار

اعتراف صادم: برلماني يكشف أن 90% من الإيرانيين يعيشون بلا إنترنت عالمي

الحكومة تعلن إزالة التعديات على واجهة بيروت وتوجيه النازحين إلى مراكز الإيواء


