تكنولوجيا وعلوم
كشف بحث جديد أن ذرة أكسجين إضافية في هيكل الحمض النووي الريبوزي تسهّل تكوين قطرات سائلة كثيفة، مما قد يفسر كيفية تركيز الجزيئات العضوية قبل ظهور الخلايا.

تتمتع جزيئات الحمض النووي الريبوزي (RNA) بقدرة فريدة على التجمع في قطرات سائلة كثيفة وشبكات هلامية مترابطة، مقارنة بنظيراتها من الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA). ويعود هذا السلوك إلى فرق كيميائي دقيق يتمثل في وجود ذرة أكسجين إضافية تتكرر على طول الهيكل العظمي لجزيء RNA. وقد تساعد هذه الآلية في حل لغز علمي يتعلق بكيفية تنظيم الجزيئات الهشة وتجميعها ذاتياً قبل تطور الخلايا الأولى.
تواجه الأحياء الحديثة مشكلة أساسية تتمثل في الحاجة إلى حاجز مادي يفصل الكيمياء الداخلية عن البيئة الخارجية. فالغشاء الخلوي يحافظ على تركيز الجزيئات المفيدة ويسمح بإجراء التفاعلات بكفاءة عالية. وبدون هذا الغشاء، لا يمكن الحديث عن وجود خلية بالمعنى التقليدي.
يطرح هذا إشكالية أمام الباحثين في أصول الحياة عند محاولة تخيل بيولوجيا ما قبل الخلايا. وتقترح فرضية "عالم RNA"، وهي واحدة من الأفكار المؤثرة في هذا المجال، أن الحمض النووي الريبوزي لعب دوراً مركزياً قبل أن يتولى DNA والبروتينات وظائف الحياة الحديثة. ويعد RNA مرشحاً منطقياً لأنه قادر على حمل المعلومات الوراثية مثل DNA، كما يمكن لبعض أنواعه تحفيز تفاعلات كيميائية مثل بناء البروتينات.
لكن هذا الطرح يولد مشكلة إضافية؛ فوجود جزيء RNA مفيد يسبح منفرداً في مسطحات مائية شاسعة يجعل فرصته ضئيلة في لقاء الجزيئات الأخرى التي يحتاجها بشكل متكرر. وعلاوة على ذلك، فإن RNA أقل استقراراً كيميائياً من DNA. لذا، كان لزاماً أن تتركز هذه الجزيئات بطريقة ما.
يقدم الفصل الطوري حلاً محتملاً لهذه المعضلة. وعلى الرغم من طابعه التقني، فهو عملية مشابهة لانفصال الزيت عن الماء لتكوين قطرات. تستطيع الجزيئات الحيوية فعل شيء مماثل عبر تشكيل قطرات كثيفة داخل محلول أكثر تخفيفاً. وتُعرف هذه الهياكل باسم المكثفات الجزيئية الحيوية، والتي تختلف عن الخلايا في أنها لا تحتاج إلى غشاء محيط بها.
تستخدم الخلايا الحديثة هذه المكثفات على نطاق واسع، واقترح الباحثون أن نسخاً أبسط منها ربما ساعدت في تنظيم الكيمياء على الأرض المبكرة. وفي عام 2023، أظهر فريق بحثي بقيادة الفيزيائية برييا بانيرجي من جامعة بافالو أن عدة أنواع من RNA يمكنها تكوين قطرات ذاتياً عند تسخينها في محاليل تحتوي على أيونات المغنيسيوم.
كان هذا الاكتشاف مفاجئاً، إذ إن التسخين عادةً ما يساعد المخاليط على الذوبان، لكن جزيئات RNA هذه فعلت العكس. فوق درجة حرارة معينة، انفصلت عن المحلول المحيط وتكدست معاً في طور كثيف. وسعت الدراسة الجديدة للإجابة على سؤال بسيط ظاهرياً: لماذا يجيد RNA هذه العملية؟
قارن الباحثون بين RNA وبين DNA أحادي الشريط يحمل تسلسلاً مشابهاً جوهرياً. تبدو الجزيئات متشابهة للغاية، إذ تتكون كلتا الحالتين من "حروف" وراثية مرتبطة بهيكل عظمي متكرر من السكر والفوسفات. لكن السكريات تختلف عند موضع واحد. يحتوي RNA على ريبوز، حيث توجد مجموعة هيدروكسيل (مؤلفة من أكسجين وهيدروجين، وتكتب كيميائياً 2′-OH) على الكربون الثاني من السكر. بينما يحتوي DNA على ديوكسي ريبوز، حيث يوجد هيدروجين بدلاً من ذلك في نفس الموضع.
أحدث هذا التغيير الطفيف أثراً كبيراً. تحت الظروف التجريبية للباحثين، بدأت سلاسل RNA المقارنة بتكوين مكثفات عند درجات حرارة أقل بحوالي 10 درجات مئوية من تلك المطلوبة لـ DNA. وبالتالي، كانت لدى RNA ميول أكبر بكثير للانفصال إلى قطرات.
وقالت بانيرجي في بيان صادر عن جامعة بافالو: "تكشف هذه النتائج، للمرة الأولى، كيف يمكن للتغيرات الصغيرة جداً في الكيمياء الجزيئية التحكم في ظهور هياكل حيوية جزيئية ذاتية التنظيم أكبر بكثير، مثل مكثفات RNA".
باستخدام المجهر والقياسات بالأشعة السينية والمحاكاة الجزيئية، وجد الفريق أن مجموعة 2′-OH تغير طريقة تفاعل RNA مع الماء والمغنيسيوم. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تخلّص RNA من بعض الماء المحيط به بسهولة أكبر مما فعله DNA. ثم ساعدت أيونات المغنيسيوم في سحب سلاسل RNA معاً، مما سمح لها بتكوين قطرات كثيفة.
كما تطورت هذه القطرات إلى شبكات هلامية مترابطة، في حين كان DNA أقل عرضة لهذين السلوكين. وأوضح المؤلف الأول للدراسة، غابل وادسوورث: "إن هذه المجموعة الواحدة المحتوية على أكسجين في سكر RNA لها تأثير قوي ومفاجئ على ما إذا كانت هذه الجزيئات تجتمع، أو تبقى ديناميكية، أو تتوقف لتصبح مادة هلامية".
قد يكون لهذا الأمر أهمية كبيرة لفهم كيفية نشأة الحياة على الأرض، لأنه يقترح طريقة لتركيز الجزيئات المفيدة قبل وجود الخلايا. ففي ظل فرضية عالم RNA، لعب الحمض النووي الريبوزي أدواراً وراثية وكيميائية قبل أن تتولى DNA والبروتينات العديد من تلك المهام. لكن جزيئات RNA الفردية المتناثرة في المياه القديمة كانت ستجد فرصة ضئيلة للتفاعل المتكرر.
وتوفر المكثفات حلاً ممكناً. ورغم أنها ليست فرضية مثبتة بأي حال، إلا أنها معقولة. وأضافت بانيرجي: "يمكن أن تسمح لنا بمعالجة أسئلة أعمق لاحقاً، مثل ما إذا كانت هذه المكثفات قد ساعدت في سد الفجوة بين الجزيئات البسيطة وأبسط أشكال الحياة".
تشير الدراسة إذن إلى أن RNA ربما امتلك نزعة كيميائية متأصلة لتنظيم نفسه، وهي سمة تفتقر إليها DNA بنفس الدرجة. نُشرت هذه النتائج في مجلة Nature Communications.



