Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

التأمل بالامتنان يُعيد تشكيل الدماغ لتعزيز السعادة

يُظهر بحثٌ أن ممارسة التأمل بالامتنان يوميًّا تُحسِّن المزاج وتقلل التوتر والاكتئاب وتدعم النوم، بل وقد تُعيد توصيل المسارات العصبية في الدماغ لصالح الرفاه النفسي.

··قراءة 4 دقائق
التأمل بالامتنان يُعيد تشكيل الدماغ لتعزيز السعادة
مشاركة

أظهرت دراسات علمية أن ممارسة التأمل بالامتنان بانتظام تؤدي إلى تحسين ملحوظ في الرفاه النفسي، ورفع مستويات السعادة، وتقليل أعراض التوتر والقلق والاكتئاب. وتشير الأدلة إلى أن هذه الممارسة قد تُعيد تشكيل المسارات العصبية في الدماغ، ما يجعل الفرد أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الحياتية.

ماهية التأمل بالامتنان

التأمل بالامتنان هو فعلٌ واعٍ يتضمَّن التعرُّف على الأمور التي يشعر الفرد بالامتنان تجاهها، وتذكُّرها بوعيٍ عميق. ولا يتطلب هذا النوع من التأمل بيئةً خاصة أو وقتًا محددًا؛ بل يمكن ممارسته في أي مكان وفي أي لحظة. ومن أشكاله: تخصيص دقائق معدودة يوميًّا للتفكير في ما يثير الامتنان، أو تسجيل قائمة بالأشياء التي يشعر بها الفرد بالامتنان تجاهها في دفتر خاص، أو الإقرار بالامتنان لحدثٍ ما أثناء حدوثه فعليًّا.

وتتوافر حاليًّا عددٌ كبير من الجلسات المُرشدة لهذا النوع من التأمل عبر الإنترنت، كما يجوز للفرد تصميم نهجٍ شخصيٍّ يناسب ظروفه واحتياجاته.

الفوائد المدعومة علميًّا

أثبتت الأبحاث أن ممارسة الامتنان ترتبط ارتباطًا مباشرًا بعدة نتائج إيجابية، منها: تحسين المزاج والرفاه النفسي، وانخفاض أعراض التوتر والقلق والاكتئاب، وازدياد الشعور بالسعادة، وتعزيز التعاطف تجاه الذات والآخرين، وتخفيف مستويات الاكتئاب لدى المصابين بأمراض مزمنة، ودعم التعافي من اضطرابات تعاطي الكحول والمواد المخدرة، وزيادة الثقة تجاه الغرباء، والمساهمة في النمو ما بعد الصدمة، وتحسين جودة النوم.

ويتم ذلك عبر تحويل تركيز الفرد من ما يفتقر إليه أو ما فقدَه إلى ما يمتلكه ويقدِّره، ما يؤدي إلى تحسين المزاج اليومي، وتقوية القدرة على رؤية الجوانب الإيجابية في الحياة، وبالتالي تقليل الوقت الذي يقضيه في القلق.

كيف يعمل التأمل بالامتنان عقليًّا

يُعاني الإنسان من ميلٍ طبيعيٍّ نحو التركيز على الجوانب السلبية، وهو ما ساعد في بقائه عبر التطور من خلال رفع مستوى اليقظة تجاه المخاطر. لكن هذا الميل قد يتجاوز حده المفيد، فيُهمِش الجوانب الإيجابية في الحياة. ولذلك لا يهدف التأمل بالامتنان إلى تجاهل الظلم أو المعاناة في العالم، أو إلى إنكار المشكلات الشخصية، بل إلى توسيع مجال الرؤية ليشمل كلاً من النجاحات والتحديات معًا، وبشكل متوازن.

وهذا التوسيع يساعد الفرد على الخروج من دائرة الانشغال بالذات أو القلق المفرط، ويُعزِّز القدرة على رؤية الصورة الأوسع. فمثلًا، عند مواجهة مرض أحد الأحبة، قد يسهم تذكُّر اللحظات الجميلة معه في تخفيف وطأة المرحلة الصعبة. وكذلك، عند عدم الحصول على ترقية وظيفية، فإن التذكُّر الواعي للجهود السابقة قد يحفِّز الفرد على التعبير عن احتياجاته ووضع أهدافٍ واضحة للمستقبل.

حدود التأمل بالامتنان

ولا يُعتبر التأمل بالامتنان علاجًا سحريًّا ينطبق على جميع الحالات. ففي بعض الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب الشديد، قد يجد الشخص صعوبةً كبيرةً في الشعور بأي امتنان تجاه أي أمر. وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن يُحمَّل نفسه أحكامًا سلبية، بل يجب طلب الدعم الطبي المتخصص. ويمكن أن يُكوِّن الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي أساسًا فعّالًا لتحسين الأعراض، وتهيئة الظروف التي تجعل التأمل أكثر فاعلية.

كيف تبدأ الممارسة؟

يتميز التأمل بالامتنان بمرونته العالية؛ فهو لا يحتاج إلى أدوات أو أماكن محددة، بل يعتمد فقط على التفكير والمشاعر الداخلية. وأحد أسهل الطرق لإدخاله في الروتين اليومي هو تخصيص خمس دقائق صباحيًّا للتأمل في ثلاثة أمور أو أكثر تشعر بالامتنان تجاهها، مثل: العائلة أو الأصدقاء أو الشريك أو الحيوانات الأليفة أو الزملاء المفضلين أو العمل أو الهوايات أو القدرة على ممارستها.

أما إذا بدا التحديد الدقيق لهذه الأمور صعبًا في البداية، فيمكن البدء بالأساسيات العامة: أنك على قيد الحياة، وأن لديك سقفًا يغطيك وطعامًا تتناوله، وأن هناك من يحبك في حياتك. وهذه الأمور، رغم بساطتها، ليست مضمونة للجميع، وهذا ما يُبرز قيمة التأمل بالامتنان كممارسة واعية لا تتجاهل الواقع، بل تسعى إلى اكتشاف نقطة انطلاق إيجابية حتى في أصعب الظروف.

كيف تحافظ على الاستمرارية؟

من أكثر الطرق فعاليةً لاستدامة هذه الممارسة هو البدء بدفتر امتنان يومي، يُخصص فيه بضع دقائق لتدوين ما شعرت بالامتنان تجاهه. كما يمكن دمج التأمل في لحظات محددة من الروتين اليومي، كأن تُقرَّ بالامتنان أثناء الانتظار في طابور الدفع في السوبرماركت، لامتلاكك الطعام الذي تحتاجه وقدرتك على شرائه.

مع ذلك، فإن الحفاظ على هذه العادة قد يكون تحديًّا، خصوصًا لمن لم يعتد على التفكير في مصادر الامتنان، أو لمن يمر بظروف استثنائية صعبة. ولذلك يركِّز التأمل بالامتنان على ضرورة تجنُّب إصدار أحكامٍ على الذات. فالنجاح لا يقاس بعدد البنود المدونة، بل ببساطة في التعرُّف على شيءٍ واحدٍ تشعر بالامتنان تجاهه — مهما بدا تافهًا — لأن هذا التعرف وحده يُعد إنجازًا حقيقيًّا.

وكل ما تشعر به أثناء الممارسة مقبولٌ تمامًا. فالمطلوب هو التعرف على المشاعر دون حكمٍ عليها، والسماح لها بالظهور، ثم تذكُّرها في الجلسات التالية، ما قد يسهِّل تحرير الذات منها تدريجيًّا.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة