ثقافة ومجتمع
العلاقات البشرية تؤثر عبر إشارات غير لفظية سلبية لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي، مما يجعل التعاون البشري مميزًا في صنع القرار.

تُظهر العلاقات القوية تأثيرًا فريدًا يتمثل في الإشارات غير اللفظية السلبية والتعليقات المسموعة بصوت منخفض، التي تلعب دورًا في توجيه سلوك الأفراد ضمن التعاون البشري.
في بيئة العمل، لا يقتصر التعاون على تبادل الملاحظات الإيجابية، بل يشمل أيضًا ردود الفعل السلبية التي تنقلها الإيماءات والهمسات، وهذه التفاعلات هي التي تسهم في إنتاج قيمة حقيقية.
الأشخاص الذين نعمل معهم ونثق بهم لا يوجهوننا فقط بأوامر مباشرة، بل يؤثرون على اختياراتنا من خلال ردود أفعال نلتقطها مثل التردد الطفيف لزميل، أو تغير نبرة صوت المرشد، أو إيماءة تعبيرية ذات معنى. هذه الإشارات تحمل دلالات قوية تفوق أحيانًا الكلمات نفسها، كما أظهرت دراسات سلوكيات غير لفظية أجراها أمبادي وروزنثال.
في التعاون، يرسل الزملاء إشارات غير لفظية قد تثير شعورًا بعدم الارتياح، مما يدفعنا إلى إعادة النظر في قراراتنا. على سبيل المثال، عندما يعبر مصمم جرافيك عن عدم رضاه عن اختيار معين، فإن هذا يدفعني غالبًا إلى تعديل قراري، ويكتسب هذا التأثير ثقله من الثقة التي أكنها لذلك الشخص ورغبتي في الحفاظ على تقديره.
هذه الديناميكية تنطبق أيضًا على العمل مع مطور برمجيات أو كاتب أو مستشار رئيسي، حيث يمكن لعدم الرضا أن يؤثر أكثر من الثناء، بسبب الوزن الأكبر الذي تحمله الإشارات السلبية عادة.
تدعم العلوم السلوكية هذه الظواهر، حيث يُعد تعديل القرار لتخفيف استياء زميل مثالًا على التعزيز السلبي، وهو عملية تقوي السلوك الذي يزيل حالة غير مريحة. تشير نظرية موورر إلى أن السلوك التوقعي يعتمد على تفاعل بين التكييف الكلاسيكي والتعزيز الإجرائي، إذ يرتبط الشعور بعدم الارتياح بإشارة معينة، ويُكافأ السلوك الذي يخفف هذا الشعور.
تؤكد نظرية باندورا المعرفية الاجتماعية أن الأفراد لا يكتفون بردود الفعل، بل يشكلون توقعات مسبقة حول نتائج الأفعال ويتصرفون بناءً عليها قبل حدوث أي نتيجة فعلية. كما يتعلمون من خلال مراقبة الأشخاص الذين يحترمونهم، ويقلدون حكمهم بدلاً من انتظار المكافأة أو التصحيح.
هذه التفاعلات المعقدة، التي غالبًا ما تُنقل عبر إشارات سلبية غير لفظية، تغيب عند العمل مع نماذج الذكاء الاصطناعي. على الرغم من أن هذه النماذج أضافت كفاءة وإبداعًا في العديد من المهام، فإنها لا تعارض قراراتي أو تحمل أي مصلحة حقيقية فيها، ولا تقدم إشارات تعكس استياءً أو تقييمًا شخصيًا.
قد تتطور بعض الجوانب مع انتشار الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط، الذي يجمع بين اللغة والفيديو والرموز التعبيرية الظاهرة على الشاشة، وربما الروبوتات المادية، لتقليد بعض الإشارات مثل التوقف أو تغير النبرة.
لكن ما لا يمكن تصنيعه هو جوهر العلاقة الإنسانية، وهو تقدير الطرف الآخر الحقيقي الذي يسعى الإنسان للحفاظ عليه. حسب باوميستر وليري، الحاجة إلى الانتماء وتكوين الروابط الشخصية هي دافع إنساني أساسي، وفقدان هذه الروابط يثير رد فعل قوي بحد ذاته، وهو ما يمنح تقدير الزميل هذه القوة والتأثير.
لهذا السبب، أحرص على إشراك شخص موثوق في أي عمل أقوم به مع نموذج ذكاء اصطناعي، بدلًا من العمل مع النموذج بمفرده. فالتحدي، والتعبير عن الاستياء عبر مكالمة فيديو، أو رمز تعبيري في رسالة نصية، كلها عوامل تؤثر بقوة على التعاون والنتائج التي يتم التوصل إليها.
اخبار لبنان
لايف ستايل
اخبار لبنان
العالم