Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

ثقافة ومجتمع

اليد التي لا يراها الدليل التشخيصي: الفجوة بين الوصف والمرض النفسي

الكتاب التشخيصي النفسي DSM يوفر لغة مشتركة لكنه لا يفسر الأسباب الحقيقية للاضطرابات النفسية، مما يترك المرضى يعيشون في فجوة بين الوصف والمرض.

··قراءة 4 دقائق
اليد التي لا يراها الدليل التشخيصي: الفجوة بين الوصف والمرض النفسي
مشاركة

في صيف عام 2016، جلست أمام طبيب نفسي طرح عليّ سلسلة من الأسئلة حول نومي، واهتماماتي، ومشاعري، وتغيرات في الشهية والتركيز والطاقة. أجبت بنعم على عدد كافٍ من هذه الأسئلة ليتم تشخيصي باضطراب الاكتئاب الحاد.

لكن ما لم يُسأل عنه، وما لم يكن الجهاز التشخيصي مصممًا لالتقاطه، هو ما إذا كان الاكتئاب الذي وصفته يمثل القصة كاملة، أم أنه وجه واحد من مشكلة أكبر وأكثر خطورة لا يستطيع هذا الفحص رؤيتها، مثل اضطراب ثنائي القطب أو عدوى الزهري التي تعيد تشكيل الجهاز العصبي من الداخل. هذا الجهاز كان يكتفي برؤية الأعراض المصنفة ضمن مجموعات مرتبطة بتسميات محددة.

هذا الفحص الذي استخدمه الأطباء كان مستمدًا من كتاب يُعرف باسم الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، أو DSM، وهو موضوع هذا المقال. في الأسبوع الماضي، تحدثت عن شعوري عند ارتداء تشخيص لا يناسبني، وفي هذا المقال أستعرض الدليل الذي وضع هذا التشخيص.

آلان فرانس، الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه "ربما أقوى طبيب نفسي في أمريكا"، ترأس الفريق الذي وضع DSM-IV عام 1994، وهو الكتاب الذي حدد أشكال المعاناة التي تُعتبر أمراضًا نفسية، والعلاجات التي تغطيها شركات التأمين، والتشخيصات التي تلاحق المرضى طوال حياتهم.

عندما سُئل فرانس من قبل عالم النفس غاري جرينبرغ عن تعريف واضح للاضطراب النفسي، أجاب: "لا يوجد تعريف للاضطراب النفسي، وهذا هراء. لا يمكنك تعريفه." وأضاف لاحقًا أن الخط الفاصل الواضح مستحيل رسمه، وأن على الأطباء الاعتماد على حكمهم في غياب اليقين العلمي، لكن هذا الاعتراف كشف عن أن الأساس الذي بُني عليه الدليل لا يمكن وصفه بشكل كامل حتى من قِبل مصمميه.

ظهر DSM-III في عام 1980 كحل لإنقاذ الطب النفسي من نفسه، حيث أزال مؤلفه روبرت سبitzer لغة فرويد بالكامل، فحذف مصطلحات مثل العصاب والدوافع اللاواعية والتكهنات حول الأسباب الكامنة، واستبدلها بتصنيف علمي قائم على قوائم تحقق للأعراض الملاحظة. إذا استوفى المريض عددًا معينًا من المعايير، يُمنح التشخيص.

هذا التغيير حول الدليل من مجلد صغير إلى كتاب ضخم يضم أكثر من 500 صفحة، مع توسع عدد الاضطرابات من 106 في عام 1952 إلى أكثر من 300 في الإصدار الحالي. وقد أظهر آلان هورويتز وجيروم ويكفيلد في كتابهما "فقدان الحزن" كيف أن هذا التوسع حول الحزن الطبيعي إلى اكتئاب سريري عبر تجريد المعايير من سياقها. كما وصف فرانس نفسه هذه الظاهرة بأنها "الطبقة الإمبراطورية الطبية الواسعة لتطبيع الحالات الطبيعية."

المشكلة الأساسية ليست في التوسع، بل في المنطق الذي يقوم عليه. فقد حقق سبitzer اتفاقًا بين الأطباء على التشخيص باستخدام نفس القوائم، لكنه لم يثبت أن هذه التصنيفات تمثل أمراضًا حقيقية. فالاعتماد على الأعراض فقط لإصدار التشخيص يشبه تشخيص التهاب الحلق بالاعتماد على الأعراض فقط دون إجراء فحوصات مخبرية، وهو ما يُعتبر ممارسة طبية رديئة، لكنه في الطب النفسي أصبح المعيار.

هذا هو الفراغ الذي عشت فيه سنوات طويلة؛ فالتشخيصات التي تلقيتها كانت متسقة بين الأطباء لكنها لم تكن صحيحة من حيث تمثيلها لما يحدث فعليًا في دماغي. الاتفاق كان حقيقيًا، لكن المرض الذي يشير إليه التشخيص لم يكن كذلك.

بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح من المستحيل تجاهل الفجوة بين تصنيفات الطب النفسي والبيولوجيا التي يُفترض أنها تمثلها. أعلن توماس إنسل، بعد 13 عامًا من قيادته للمعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة، أن المعهد سيعيد توجيه أبحاثه بعيدًا عن تصنيفات DSM، واصفًا إياها بأنها مجرد توافق على مجموعات من الأعراض. وقال لصحيفة نيويورك تايمز: "طالما اعتبر المجتمع البحثي DSM كتابًا مقدسًا، فلن نحرز تقدمًا. البيولوجيا لم تقرأ هذا الكتاب."

لا يعني ذلك وجوب التخلي عن DSM. فقد أكد فرانس، رغم نقده اللاذع، أن فئات الدليل "هياكل مفيدة" تُجسد كيف يعاني الناس عادةً، حتى وإن لم تفسر الأسباب. بالنسبة للكثير من المرضى، يوفر التشخيص اسمًا واضحًا لأول مرة لتجاربهم التي كانت صعبة التعبير عنها. وهذا أمر مهم، فحتى بناء نحوي تقريبي أفضل من الصمت.

لكن هناك نوعان من الأطباء النفسيين: من يدرك أن DSM هو مجرد تقريب أولي، ونموذج عمل يدعو إلى الاستمرار في البحث، ومن لا يدرك ذلك، وهو من يمنح التشخيص ويغلق باب السؤال. الطبيب الذي يفهم أن التسمية ليست معرفة، وأن هناك فجوة بين الوصف والمرض يعيش فيها المرضى أحيانًا لسنوات، وأحيانًا حتى الموت.

DSM هو مصباح يدوي يضيء دائرة صغيرة حول قدمي الطبيب، وما لا يستطيع الوصول إليه يميل إلى اعتباره غير موجود. وأنا أعرف جيدًا ما يعنيه العيش في ذلك الظلام، وأعرف الثمن الذي يدفعه المرضى.

السؤال الذي يواجه الطب النفسي والعائلات وكل من شهد تشخيصًا يُلصق بأحد أحبائهم ويتساءل عن مدى ملاءمته، ليس هل نحتاج إلى خريطة، بل هل يمكننا أن نتعلم أن نحمل الخريطة بخفة أكثر، ونتذكر أن الأرض أكبر دائمًا مما تظهره الخريطة، وأن نستمر في السير عندما ينطفئ ضوء المصباح.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة