ثقافة ومجتمع
تراجع معدلات الخصوبة في العالم العربي يثير مخاوف الشيخوخة السكانية
تشهد عدة دول عربية انخفاضًا ملحوظًا في معدلات الخصوبة، ما يثير قلقًا متزايدًا بشأن الشيخوخة السكانية وتأثيرها على الاقتصاد والتنمية.

انخفضت معدلات الخصوبة في عدد من الدول العربية خلال السنوات الماضية، ما يطرح تحديات ديمغرافية واقتصادية جديدة تتعلق بزيادة نسبة كبار السن وتراجع نسبة السكان في سن العمل.
في ثمانينيات القرن الماضي، كانت حملات تنظيم النسل في مصر، مثل أغنية "حسنين ومحمدين"، من أبرز المبادرات التي شجعت على تقليل عدد المواليد، تلتها حملات أخرى في عدة دول عربية مثل تونس، حيث بدأت سياسات تنظيم الأسرة منذ أوائل الستينيات.
كانت النظرة السائدة آنذاك تربط التقدم الاقتصادي في الغرب بقلة السكان، بينما اعتُبر الازدحام السكاني في دول مثل الصين سببًا في مشكلات اقتصادية وتنموية، ما دفع إلى تبني سياسات لتقليل معدلات الإنجاب في العديد من الدول النامية.
دعمّت مؤسسات دولية وبرامج مانحة جهود تنظيم الأسرة، بهدف تحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتخفيف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن النمو السكاني السريع، خاصة في ظل قصور جهود التنمية الحكومية عن مواكبة هذا النمو.
لكن ما لم يكن متوقعًا هو أن معدلات الخصوبة ستنخفض بوتيرة أسرع من المتوقع، مع ظهور أزمات اقتصادية جعلت الزواج والإنجاب أقل قدرة على التحقق لدى الشباب، مما أدى إلى تحول القلق من كثرة السكان إلى قلة المواليد.
شهد العالم الغربي، بما في ذلك الصين التي طبقت سياسة الطفل الواحد عام 1978 ثم تراجعت عنها في 2015، تراجعًا في أعداد السكان وارتفاعًا في معدلات الشيخوخة، وهو ما دفع إلى تحذيرات من أزمات ديمغرافية يصعب عكسها سريعًا.
اليابان وكوريا الجنوبية، من بين أكبر الاقتصادات المجاورة للصين، تعانيان نقصًا متزايدًا في القوى العاملة، بينما بدأت أوروبا منذ السبعينيات تشهد انخفاضًا واضحًا في معدلات الخصوبة وزيادة في الأعمار، ما دفعها إلى تبني سياسات دعم الأسرة وتشجيع الهجرة لتعويض النقص في القوى العاملة.
كانت هذه الدول تُقدم كنماذج يُحتذى بها في تنظيم النسل، لكن اليوم تواجه تحديات الشيخوخة السكانية التي بدأت تظهر في العالم العربي أيضًا، حيث أشار خبراء إلى أن انخفاض معدلات الخصوبة أصبح أزمة عالمية تهدد جميع الدول، بما فيها الدول العربية.
في عام 2021، سجلت 124 دولة انخفاضًا ملحوظًا في معدلات الخصوبة إلى أقل من طفلين لكل امرأة، وشهد العالم العربي تحولات مماثلة، خصوصًا في دول المغرب العربي التي سجلت تراجعًا ملحوظًا في معدلات الإنجاب.
أظهرت دراسة صادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديمغرافية الفرنسية تغيرات في التركيبة العمرية لسكان المغرب والجزائر وتونس، محذرة من تسارع شيخوخة هذه الدول خلال العقود القادمة، بعد أن شهدت انخفاضًا كبيرًا في معدل الخصوبة من 7 أطفال لكل امرأة في السبعينيات إلى مستويات منخفضة جدًا في الوقت الراهن.
في عام 2024، بلغ معدل الخصوبة 1.53 طفل لكل امرأة في تونس، و1.97 في المغرب، و2.61 في الجزائر مع اتجاه تنازلي مستمر، كما بدأت دول عربية أخرى تشهد نفس الاتجاه بدرجات متفاوتة، مما يشير إلى تحول ديموغرافي واسع.
يحذر مختصون من أن استمرار هذا الانخفاض قد يؤدي إلى تسارع شيخوخة السكان وتراجع نسبة القوى العاملة، مما ينعكس على النمو الاقتصادي والإنتاجية وتمويل أنظمة الرعاية الاجتماعية.
تتعدد أسباب تراجع الخصوبة بين عوامل اقتصادية مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم والرعاية الصحية، وتأجيل الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب عوامل اجتماعية تشمل ارتفاع مستويات التعليم، خاصة بين النساء، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتغير أنماط الحياة.
كما ساهمت التحولات الحضرية وتوسع المدن في تقليل نموذج الأسرة الكبيرة الذي كان سائداً في المجتمعات الزراعية، بالإضافة إلى تأثير وسائل الإعلام والثقافة الرقمية في إعادة تشكيل مفاهيم الأسرة والزواج والإنجاب.
أكدت الدراسة الفرنسية أن انخفاض الخصوبة أدى إلى تغير التركيبة العمرية في دول المغرب العربي، حيث ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر في تونس من 8% إلى 17% بين عامي 1997 و2024، مع تسجيل معدلات مرتفعة مماثلة في المغرب والجزائر.
في الإمارات، حذرت دراسة جامعة الشارقة عام 2024 من تراجع معدلات الخصوبة في العالم العربي، مشيرة إلى عوامل اقتصادية وثقافية إضافة إلى تأثير الحروب والنزاعات، حيث تراوح الانخفاض في معدلات الخصوبة بين 3.8% و24.3% خلال الفترة من 2011 إلى 2021.
وفي الكويت، أشار تقرير مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث عام 2022 إلى انخفاض معدلات الخصوبة من 7 أطفال في ستينيات القرن الماضي إلى طفلين فقط عام 2021، مع تراجع مؤشر النمو السكاني من 2.5% في 2015 إلى 1.8% في 2021.
أما في مصر، أكبر دولة عربية من حيث السكان، فقد انخفض معدل الخصوبة الكلي من 3.5 أطفال لكل امرأة في 2014 إلى 2.76 طفل في 2022، ثم إلى 2.41 طفل في 2024 وفقًا لوزارة الصحة والسكان، بينما سجلت السعودية تراجعًا في معدلات المواليد بنسبة 39.8% بين 2020 و2023، مع انخفاض بنسبة 10% في الفترة من 2017 إلى 2022.
أوضح أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية نور العلوي أن المؤشرات تدل على دخول العالم العربي عصر الشيخوخة، حيث يتحول الهرم السكاني من هرم عادي إلى مقلوب، بحيث يصبح عدد كبار السن أكبر من الصغار، مع احتمال اتخاذ بعض الدول العربية إجراءات لتحفيز الزواج والإنجاب لتجنب هذه الحالة.
في المقابل، يرى الخبير المصري أيمن زهري أن الحديث عن شيخوخة سكانية لا يزال بعيد المدى، مؤكدًا أن الانخفاض الحالي في معدلات الخصوبة لن يؤثر في المدى القريب، بينما يشير الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إلى أن لهذا الانخفاض تأثيرات محدودة حاليًا لكنه يحمل انعكاسات مستقبلية كبيرة على الاقتصاد وسوق العمل، داعيًا إلى إدارة ذكية ومتوازنة للتحول الديموغرافي.
يرى الإدريسي أن نقص الخصوبة يحمل جانبين؛ إيجابي يتمثل في فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاجية والتكنولوجيا، وسلبي يظهر إذا تُرك دون تخطيط، مما يؤدي إلى نقص في العمالة وارتفاع أعباء الإعالة والمعاشات والرعاية الصحية.
في 2017، حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من تصاعد أعداد كبار السن في الدول العربية، متوقعًا أن يصل عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر إلى ستة أضعاف ما كان عليه عام 2000 بحلول 2045، مما يفرض تحديات اقتصادية واجتماعية وصحية كبيرة.
لا يواجه العالم العربي اليوم نقصًا سكانيًا بالمعنى التقليدي، لكنه يقترب من مرحلة جديدة تتطلب إعادة النظر في السياسات السكانية لضمان وجود قوة بشرية كافية لدعم التنمية دون أن تتحول الضغوط السكانية إلى عبء على الموارد والخدمات.
يشير تقرير حالة السكان لعام 2025 إلى تحديات حقيقية تتمثل في أن ملايين الأشخاص يرغبون في إنجاب أطفال لكنهم يعجزون عن ذلك بسبب الضغوط الاقتصادية وانعدام الأمن الوظيفي والخوف من المستقبل.
بعد عقود من الخوف من "الانفجار السكاني"، تواجه الدول العربية اليوم قلقًا مختلفًا يتمثل في ضرورة الحفاظ على مجتمع شاب قادر على الإنجاب والعمل والإنتاج لضمان النمو والحيوية الاقتصادية المستقبلية.





