ثقافة ومجتمع
حدود الاستنتاج الخوارزمي وصحة الإنسان النفسية
تطرح الخوارزميات تحديات جديدة للخصوصية عبر استنتاج حالات الصحة النفسية من الأنشطة الرقمية، مما يستدعي إعادة تعريف الحدود بين ما نكشفه وما يُسمح للآخرين باستنتاجه.

يمكن لأنظمة التعلم الآلي رصد مؤشرات على اضطرابات الصحة النفسية انطلاقاً من نشاطنا الرقمي. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بقدرة الخوارزميات على كشف الأنماط، بل بمن يحق له تفسير هذه البيانات ومن يملك الوصول إليها.
مرّ ما يقرب من ثمانين عاماً منذ نشر جورج أورويل روايته الكلاسيكية التي تخيل فيها تهديداً ديستوبياً للخصوصية عبر مراقبة حكومية مستمرة للمواطنين، مع فرض تعذيب شخصي لمن لا يتوافقون مع النظام. حدد الكاتب مستقبله المرعب في عام 1984، أي بعد ثلاثين عاماً تقريباً من صدور الكتاب.
سياق تاريخي لتوقعات المراقبة
لم يكن هذا التنبؤ غريباً بالنظر إلى حياة أورويل التي شهدت الحرب العالمية الأولى، والكساد الكبير، ثم الحرب العالمية الثانية التي انتهت رسمياً قبل سنوات قليلة من صياغته للكتاب. لقد عايش الكاتب دورات متكررة من الحروب والمعاناة، وشهد تصاعد الفظائع وتدميرها المتزايد.
فعند انتهاء الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918، احتفل الناس بيوم الهدنة وسموها "الحرب لإنهاء كل الحروب". لكن الكساد الكبير أعقب ذلك بعقد، تلتها حرب عالمية ثانية أكبر وأشد فتكاً، وانتهت بهول لا يمكن تصوره وقنبلتين ذريتين كشفتا القدرة على إبادة شعوب كاملة وتدمير الكوكب.
يسهل فهم كيف تخيل أورويل حكومة مسيطرة ومخيفة بالنظر إلى هذه الأحداث. وغالباً ما يحاول القراء والمشاهدون تحليل حالة الكاتب الذهنية، كما فعل منتج ديزني دون هان الذي ربط بين وفاة والدة والت ديزني وموضوع الأمهات الراحلات المتكرر في أفلام الشركة.
الخصوصية في عصر البصمات الرقمية
يعرف الكتّاب والمشاهير أن حياتهم ودوافعهم وعلاقاتهم وحتى صحتهم النفسية تصبح عرضة للتدقيق العام والنقاش. وقد اختبرتُ بنفسي العبء النفسي الذي تخلقه انتهاكات الخصوصية وعقلية القطيع وسلوكيات المطاردة عند العمل مع أشخاص تحت الأضواء.
لكن ماذا يحدث عندما لا تكون مشهوراً؟ نشهد اليوم تهديداً جديداً للخصوصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبصمات الرقمية التي نتركها خلفنا في التعليقات على منصات مختلفة، بما في ذلك روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي. يشمل هذا الخطر الشباب وكبار السن، وعبر الحدود والثقافات المختلفة.
يفهم معظم الناس أن الخوارزميات تتتبعهم وتتعلّم تفضيلاتهم لعرض إعلانات موجهة. وقد سمعت شباباً يعبرون عن إعجابهم بهذا النظام لأنه يوفر عليهم البحث عن محتوى لا يهمهم، ويشبهون الإعلانات الموجهة بمشتري شخصي متخصص.
من الإعلان الموجّه إلى التشخيص النفسي
ماذا لو بدأت الآليات بمراقبة وتشخيص صحتك النفسية؟ هذا ليس خيالاً علمياً؛ فقد طوّر الباحثون لسنوات أنظمة تعلم آلي قادرة على تحديد علامات مرتبطة بحالات نفسية من النشاط الرقمي للأفراد.
في مراجعة منهجية أجراها ريزالدي وزملاؤه عام 2025، تم فحص 40 دراسة تستخدم التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية للكشف عن الاكتئاب والقلق والإجهاد واضطراب ما بعد الصدمة والأفكار الانتحارية واضطرابات الأكل والوسواس القهري، اعتماداً على بيانات تشمل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. وأشار الباحثون إلى استمرار مشاكل تتعلق بالتحقق من صحة النماذج، ووضع التصنيفات، وقابلية تعميم النتائج عبر السكان والمنصات المختلفة.
أما مراجعة نطاقية أحدث أجراها هي وزملاؤه عام 2026، فقد شملت 136 دراسة من عام 2021 حتى يناير 2026، تناولت مخاطر الكشف عن الصحة النفسية من نصوص وسائل التواصل الاجتماعي. ولفتت الدراسة إلى أن معظم الأبحاث حددت خطراً قائماً على بدائل (proxy-based risk) وليس تشخيصاً سريرياً، مما يعني التعرف على أنماط خطر محتملة دون تأكيد طبي رسمي.
قيود الأنماط وسياق السلوك البشري
الأنماط ليست وعوداً مؤكدة، والسلوك البشري لا يحدث في فراغ. فالبيئات التي نعيش فيها تشكل ما نقوله وكيف نقوله، وحتى الأجزاء التي نقدمها من أنفسنا، مثل صور السيلفي التي أصبحت طبيعية بشكل متزايد. يستطيع الطبيب المدرّب النظر في السياق الذي قد يشكل النمط، مع مراعاة تاريخ الشخص وثقافته، وسؤاله مباشرة عما يحدث في حياته.
قد تكتشف الخوارزمية نمطاً دون فهم النظام الحيوي الأوسع والعوامل المؤثرة فيه. والسؤال الأكبر هو: ماذا يحدث عندما يتعامل الناس مع بيانات النمط كحقيقة كاملة؟ ومن يحصل على حق الوصول لهذه المعلومات؟ وما المخاطر التي تواجه الشخص الذي تم وسمه كمعرض لخطر نفسي؟
وماذا لو استنتجت الخوارزمية خطراً نفسياً لم يكشف عنه الشخص قط، ولم يطلب علاجاً بسببه، وربما لم يدركه بنفسه؟ وما الحماية القانونية أو الأخلاقية المطبقة على معلومات ليست تشخيصاً رسمياً ولا إفصاحاً واعياً من الفرد؟
إعادة تعريف حدود الخصوصية
تكمّن وراء هذه الأسئلة إشكالية جوهرية: أين يجب أن يقع الحد الفاصل بين ما نكشفه عمداً وما يُسمح للآخرين باستنتاجه؟ لقد تعلّم كثيرون أهمية الحدود في العلاقات الصعبة أو بين العمل والراحة. لكن التكنولوجيا تمحو هذه الحدود بشكل متزايد.
فكر في التحولات حول المعلومات العامة والخاصة، وبين ما تواصلته أنت وما استنتجه الآخرون، وبين وقت اتصالك بالشبكة ووقت انقطاعك عنها. والآن، بين ما تعرفه عن نفسك وما تعتقد الخوارزمية بشأنك، وكيف قد تدعمك أو تراقبك.
لا تكمن صحة الحد في وجوده فحسب، بل فيما يحميه وما يسمح بمروره. عندما تخيل أورويل مراقبة صارمة تفرضها حكومة قوية، يصعب عليه تصور مليارات الأشخاص العاديين الذين يدفعون طواعية مقابل المراقبة عبر هواتفهم الذكية، أو الذين يسجلون أنشطتهم اليومية ويشاركون لحظات حميمة وهشة مع آلة تتتبعهم وتؤثر فيهم بطرق لم تبدأ الأبحاث إلا بالكشف عنها.
سأل عالم أورويل التخيلي ماذا سيحدث عندما تمنح المراقبة المؤسسات القوية وصولاً غير مسبوق لحياة الناس. وبعد ما يقرب من 80 عاماً، نواجه نسخة مختلفة من هذا السؤال. فبصماتنا الرقمية تكشف بشكل متزايد، أو تقود الآلات لاستنتاج، أشياء لم نفصح عنها بوعي قط. ربما لم يعد التحدي يقتصر على حماية ما نختار إبقاءه خاصاً، بل امتد لحماية الحدود حول ما يُسمح للآخرين باستنتاجه.
آخر الأخبار

أول تعليق من رونالدو بعد جلوسه احتياطياً في دوري الأمم الأوروبية

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 356 عملية ضد أهداف حوثية خلال 24 ساعة

اليونيفيل تحذّر من اقتراب موعد انتهاء مهمتها


