ثقافة ومجتمع
دراسة عالمية: وصفات الطبيعة تقضي على الوحدة بنسبة 17%
كشفت دراسة حديثة أن الأنشطة الاجتماعية القائمة على الطبيعة، مثل البستنة ومراقبة الطيور، تقلل مشاعر العزلة بشكل كبير ومستدام لدى البالغين.

يشعر حوالي واحد من كل ثلاثة أمريكيين وواحد من كل ستة أشخاص حول العالم بالعزلة بانتظام، وهو واقع مقلق دفع مسؤولي الصحة العامة إلى إعلان "وباء الوحدة". في محاولة لإيجاد حل، قدمت دراسة عالمية جديدة نهجاً مبتكراً يتمثل في "الوصفات الطبية القائمة على الطبيعة"، حيث يصف الأطباء أنشطة مثل البستنة أو المشي في الجبال أو مراقبة الطيور. وقد أظهرت النتائج أن هذه الممارسات تقلل بشكل ملحوظ من الشعور بالوحدة، وأن قضاء الوقت في الطبيعة بصحبة الآخرين يحقق نتائج أفضل، خاصة للأكثر عرضة للعزلة.
أدلة علمية تدعم الفعالية
صرحت جيل ليت، المؤلفة المقابلة للدراسة وأستاذة الصحة البيئية في جامعة كولورادو بولدر، بأن الحماس تجاه الوصفات القائمة على الطبيعة كان كبيراً لكن الأدلة كانت محدودة. وتعمل ليت كباحثة رئيسية في مشروع "RECETAS"، الذي درس نموذجاً للتوصيات الاجتماعية يسمى "أصدقاء في الطبيعة" شمل 1,200 بالغ في ست مدن عبر أوروبا وأمريكا اللاتينية وأستراليا. حتى الآن، أظهرت جميع التجارب نتائج واعدة. وتتناول أحدث النتائج، المنشورة في العدد الأخير من مجلة "Lancet Regional Health"، بيانات 320 شخصاً يعانون من الوحدة في برشلونة. وأكدت ليت وجود تجارب عشوائية محكومة تثبت فعالية هذا النهج واستدامة آثاره.
طبيعة المشكلة الصحية
وفقاً لشرح ليت، لا تعني الوحدة العزلة الجسدية بالضرورة، بل هي "انفصال ذاتي بين توقعات الفرد لعلاقاته الاجتماعية وواقعه". وأضافت واصفةً الحالة: "سمعت أشخاصاً يصفونها كأنها عقدة في معدتهم، شيء غير صحيح تماماً. يمكنك أن تكون في غرفة مليئة بالناس ولا تزال تشعر بالوحدة". تشير الدراسات إلى أن الوحدة المزمنة تزيد مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية والخرف والسكتة الدماغية والاكتئاب والقلق. كما تشكل عبئاً على أنظمة الرعاية الصحية، إذ يميل المتأثرون بالوحدة لزيارة الأطباء بشكل متكرر، واللجوء إلى أقسام الطوارئ بشكاوى غامضة بعد ظهر يوم الجمعة، وهي ظاهرة تُعرف بـ "متلازمة بعد ظهر الجمعة". وغالباً ما يتجنب الناس الاعتراف بالوحدة بسبب وصمة العار، معتقدين أن أعراضهم الجسدية ناتجة عن أسباب أخرى.
تفاصيل التجربة في برشلونة
انطلق مشروع "RECETAS" (إعادة تخيل البيئات للاتصال والمشاركة) في عام 2021 بدعم من منحة بقيمة 5.6 مليون دولار من الاتحاد الأوروبي. أجريت تجارب عشوائية محكومة في برشلونة بإسبانيا، وبراغ بالتشيك، وهلسنكي بفنلندا، بالإضافة إلى دراسات شبه تجريبية في مارسيليا بفرنسا، وكوينكا بالإكوادور، وملبورن بأستراليا. ركزت النتائج الجديدة على موقع برشلونة، وشملت الدراسة 320 شخصاً مسناً يعانون من الوحدة من 12 حياً منخفض الدخل. تم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: الأولى وضعت في مجموعات صغيرة تتكون من 8-10 أشخاص، وقضت ساعتين أسبوعياً لمدة تسعة أسابيع مع اثنين من الميسرين المدربين لممارسة أنشطة مثل البستنة أو مراقبة الطيور أو البرامج الفنية المستوحاة من الطبيعة. المجموعة الثانية تلقت قائمة مجانية بنفس الأنشطة الطبيعية التي يمكنهم ممارستها بمفردهم.
نتائج مستدامة وتحسينات ملموسة
نجحت الاستراتيجيتان في تقليل مستويات الوحدة. أظهر المشاركون في المتوسط انخفاضاً بنسبة 11% في درجات الوحدة بعد ثلاثة أشهر، و12% بعد ستة أشهر، و17% بعد عام كامل. وللمجموعة التي بدأت بمستويات أقل من الرفاه العاطفي، كانت التدخلات الجماعية أكثر فعالية. أوضحت ليت أن الطبيعة، بأصواتها وروائحها ومشاهدها الحية، تعمل كـ "ميسر إضافي" يعزز الفوائد العلاجية. وحتى ممارسة الأنشطة في الطبيعة منفرداً يمكن أن تخفف الوحدة، كما يقترح البحث. وأضافت لويز تشاولا، عالمة النفس البيئية وأستاذة فخرية في جامعة كولورادو بولدر، والتي شاركت مؤخراً في تأليف ورقة بحثية مع ليت حول دور الطبيعة في تعزيز الروابط الاجتماعية: "التواجد في الطبيعة يشكل نوعاً من مخزون الهدوء الذي يمكننا العودة إليه لاحقاً في الحياة خلال الأوقات العصيبة. إنه ليس مجرد استعادة عندما تكون في المكان، بل أيضاً عند عودتك إليه في الذاكرة".
خطوات نحو التكامل الصحي
بدأت وكالات الصحة العامة في إسبانيا بالفعل في الاعتراف بنموذج "أصدقاء في الطبيعة" كممارسة فضلى لمواجهة وباء الوحدة. وتسعى ليت حالياً لتنظيم تجارب مماثلة في الولايات المتحدة، على أمل أن تغطي شركات التأمين يوماً ما تكاليف الاشتراك في حدائق مجتمعية أو نوادي مراقبة الطيور. وختمت قائلة: "لدينا طبيعة في مدننا واستثمار في البنية التحتية الخضراء. الآن نحتاج إلى آلية لجسر هذه الموارد مع أنظمة الرعاية الصحية لدينا لتقديم رعاية تتمحور حول الشخص وتستفيد من قوة الطبيعة للشفاء والرفاهية".
آخر الأخبار

بين التأجيل والتحضير: ما الذي ينتظره الجنوب في الساعات القادمة؟

لماذا تواصل الصين شراء الذهب رغم هبوط قيمته السوقية وتراجع الطلب المحلي؟

5 مليارات دولار معاملات مشبوهة.. غرامات بـ1.21 مليار على "بنك أوف أمريكا"


