Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

لماذا يفرّ العباقرة من الضجيج؟ العلم والفلسفة يجيبان

الدراسات الحديثة وفلسفة شوبنهاور تؤكدان أن العقول المبدعة أكثر حساسية للضوضاء بسبب ضعف "البوابات الحسية" في الدماغ.

··قراءة 1 دقيقة
لماذا يفرّ العباقرة من الضجيج؟ العلم والفلسفة يجيبان
مشاركة

كلما زادت القدرات الذهنية، زادت الحساسية تجاه الأصوات المزعجة، وهي علاقة لم تعد مجرد انطباع شخصي بل تحولت إلى نظرية مدعومة بأدلة علمية وفلسفية. الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور كان من أوائل من ربطوا بين الذكاء المرتفع والنفور من الضوضاء، وذلك في مقالته الشهيرة "عن الجلبة والضجيج" التي تعود إلى عام 1851.

العبقرية والتركيز المكثف

يرى شوبنهاور أن العبقرية ليست سوى "قدرة العقل على التركيز المكثف على نقطة واحدة"، وعندما يقطع ضجيج خارجي هذا التركيز، يصبح العقل العبقري مساوياً للعقل العادي. وقد شبه العقل المركز بالألماسة الكبيرة التي تفقد قيمتها إذا تحطمت، أو بالجيش الذي يفقد قوته إذا تشتتت صفوفه. أما الأشخاص الذين لا يتأثرون بالضجيج، فاعتبرهم شوبنهاور غالباً يفتقرون للحساسية تجاه الفن أو الشعر أو الأفكار العميقة، وعزا ذلك إلى "طبيعة أنسجة الدماغ" لديهم.

دعم علمي حديث

لم يقف الأمر عند الفلسفة فقط، بل قدم العلم الحديث تفسيراً لهذه الظاهرة. باحثون في جامعة "نورث وسترن" وجدوا أن الإبداع مرتبط بضعف القدرة على "تصفية" المعلومات الحسية غير ذات الصلة. هذا النوع من "البوابات الحسية المثقوبة" يسمح للدماغ بدمج أفكار خارج نطاق التركيز المباشر، مما يعزز التفكير الترابطي والإبداعي، لكنه في الوقت نفسه يجعل الشخص أكثر عرضة للتشتت والتأذّي من الأصوات الخارجية.

الفيلسوف إيمانويل كانط كان مثالاً آخر على هذه الظاهرة، إذ عُرف عنه حاجته للهدوء المطلق للكتابة، لدرجة أنه قد يغيّر مكان سكنه هرباً من صياح ديك. ويخلص العلم والفلسفة إلى أن العقل المبدع يعمل كمحرك عالي الضغط؛ يحتاج إلى بيئة نقية ليعمل بكفاءة، بينما يمثل الضجيج "وقوداً رديئاً" يعطل ميكانيكية التفكير العميق ويقتل اللحظات الإبداعية.

مشاركة

مقالات ذات صلة