ثقافة ومجتمع

زيارة جزيرة صقلية من دون التلذّذ بتذوق أصابع كانولو الشهية، أشبه بزيارة نابولي من دون تناول البيتسا الأصيلة فيها. إذ يصعب مقاومة هذه القواقع المقرمشة، الأنبوبية الشكل، المحشوة بجبن الريكوتا الطازج. ويصعب أيضًا الاكتفاء بتناول قطعة واحدة منها.
\nورغم توفّر هذه الحلوى في أماكن عديدة من العالم، إلا أن طعمها الأصيل يحتّم عليك التوجه إلى الجزيرة الإيطالية لتذوقها، وليس لأي جهة أخرى في إيطاليا.
لكن لِمَ يدمن المرء على تناول أصابع الحلوى هذه المزينة غالبًا بالفاكهة المحلاة، أو الشوكولا، أو الفستق المهروس؟
\nيزعم السكان المحليون من بلدة كالتانيسّيتا الصقلية أنّ هناك سرًا إباحيًا يضفي على هذه الحلوى هالة من الإغراء.
\n
البدايات الحسية
\nتعتبر مدينة كالتانيسيتا، الواقعة وسط جزيرة صقلية "مسقط رأس" كانّولو. هنا، يُطلق على هذه الحلوى المسيلة للعاب اسم "عصا موسى" أو "صولجان الملك"، وما لها من إيحاءات مثيرة مفترضة.
\nوتقول الأسطورة، أنّ جواري أمير عربي صنعت الكانّولو للمرة الأولى لتكريم قوة سيّدهم الجنسية، وأن شكل هذه الحلوى ليس من قبيل الصدفة.
\nوتفيد الرواية أيضًا، بأنّ النساء المحجوزات داخل الجدران الحمراء اللون لقلعة Pietrarossa، أمضين ساعات يُحضّرن وصفات الحلوى معًا.
\nوقال روبرتو غامبينو، عمدة كالتانيسيتا لـCNN، إن أصول هذه الحلوى اللذيذة مشبعة بالأساطير والخرافات، لكن ثمة عناصر تاريخية حقيقية تدعم فرضية نشـأتها هنا".
\nأسّس العرب هذه المدينة ويرجّح وجود حرملك فيها للأمير، كان يغصّ بالنساء اللواتي يُعزى إليهنّ ابتكار الكانولو".
\nأما اسم "كالتانيسيتا" فمتحدر من اللغة االعربية "قلعة النساء"، والتي تُرجمت إلى "مدينة النساء".
\nوذكر بعض الكتّاب اللاتينيين وجود ما يسمى بـ"مدينة النساء"، مشيرين إليها باسم "Castro feminarum".
\nمدينة النساء
وأوضحت روزانّا زافّوتو، الأستاذة المحلية والباحثة، أنّ كالتانيسيتا تميّزت ذات يوم بموقعها الاستراتيجي، فضلاً عن كونها إحدى أبرز المراكز العربية في صقلية.
ويرجح بناء قلعة Pietrarossa، إحدى أهم قلاع الجزيرة، إلى القرن التاسع كبرج مراقبة عسكرية.
\nوأشارت زافّوتو إلى أنّ موقعها المطل على نهر سالسو سمح للغزاة الدخول بسفنهم من البحر، ما حدا بتطوّر مدينة كالتانيسيتا حول القلعة.
\nاليوم، لم يبقَ سوى أطلال قلعة Pietrarossa التي تعني "الحجر الأحمر" باللغة الإيطالية، مع دير دير أسفلها.
\nحكم العرب جزيرة صقلية مئات السنوات، مخلفين تراثًا غنيًا يشمل تقاليد الطهي، والأطعمة الشهيرة مثل الحلوى التي تشكل جزءًا من الثقافة الصقليّة.
\nورغم وجود آثار لحلوى كانولو "بدائية" تعود إلى العصور الرومانية القديمة، إلا أن الوصفة الموجودة اليوم أصولها عربية.
وتشير إحدى الأساطير المحاكة حول الحلوى إلى أنّ "النساء داخل القلعة" جئن بفكرة حشو العجين بالريكوتا من أجل الترحيب بحبيبهنّ عندما عاد من زيارة له في باليرمو التي تقع شمال صقلية. ويبدو أنّ حلوى كانولو كانت مثالية، إذ يمكن إعدادها بسرعة للترحيب به عند الوصول.
\nأما القوقعة الفارغة فهي ناتجة عن لف العجينة حول قصب السكر السميك المستورد والمزروع في الحقول المحيطة، وهي عبارة عن بسكويت يشبه الأنبوب ملمسه خشن ومقرمش ومليء بالفقاعات الصغيرة.
\nمن الحرملك إلى الدير؟
\n"السكورزا" الصلبة، أو القوقعة الخارجية التي تبقى طازجة لأيام، يتم حشوها بجبن ريكوتا المستخرجة من الغنم الطازج في اللحظة الأخيرة قبل تقديمها، وما زال الأمر على حاله في صقلية اليوم، كي تحافظ على صلابتها. وهذه القوقعة الخارجية تقلى بشحم الخنزير حاليًا.
\nوفي رواية أخرى، يقال إن حلوى كانّولو انتقلت من الحرملك إلى الأديرة المجاورة التي بنيت في السنوات التالية، وراجت صناعتها على أيدي الراهبات المحليات.
\nكنّ يحضّرنها كحلويات تقليدية تقدم خلال الاحتفالات، عندما سادت الفوضى وخضعت القوانين المسيحية للإصلاح مؤقتًا كي تتلاءم والطقوس الوثنية.
\nواعتبر حينها أن عبادة الأشياء وقوالب الحلوى ذات الشكل القريب من العصا، وسيلة للاحتفال بالخصوبة والحياة.
\nوأوضحت زافّوتو أنه "مع انتهاء الحكم العربي عام 1086، وصعود الإمبراطورية النورماندية، لم يُطرد العرب الذين يعيشون في قلعة النساء ولم يهربوا"، متابعة أنهم "اعتنقوا المسيحية واندمجوا في المجتمع".
\nولفتت إلى أن "العرب وتقاليدهم ما زالت حية في كالتانيسيتا، إذ تحتوي لهجتنا على العديد من الكلمات العربية مثل، تابوتو، التي تعني النعش، بينما اسم حينا القديم ،سكارا، فمطابق لاسم حي في القاهرة".
\nالحلوى الشهية
أحد العناصر الرئيسة لصناعتها، بحسب طاهي الحلويات ليلّو ديفرايا الذي أمضى قرابة 25 سنة يبحث في أصول كانّولو، استخدام دقيق خاص تاريخيًا لصناعة القوقعة الخارجية للحلوى، بعدما سأل شيوخ المدينة والمزارعين.
وشرح أنّ "أسلافنا زرعوا نوعًا من دقيق قمح مايوركا، الطري والمتعدد الاستخدامات، والمثالي لصناعة الكعك والحلويات".
\nوأوضح ديفرايا أنه "كان هذا النوع الأول من الدقيق المستخدم في صناعة الكانولو، الذي كان يُحشى بداية بجبن الريكوتا الممزوج بالعسل".
\nإلى اليوم، تستخدم مطحنة حجرية قديمة لصنع دقيق المايوركا في كالتانيسيتا.
\nونوّه ديفرايا بـ"العمل الجماعي" للمحظيات والراهبات على حد سواء لابتكار طعام شهي من خلال استخدام مكونات رئيسية تنمو في مدينة صقلية.
\nولفت إلى أنّ الراهبات طوّرن الوصفة العربية الأصلية من طريق إضافة المزيد من الريكوتا المحبب والصلب إلى الحلوى، التي كانت تباع في جميع أنحاء الجزيرة الإيطالية بحلول القرن التاسع عشر.
\nولديفرايا وصفته الخاصة أيضًا، وهي مزيج من جبن ريكوتا الماعز والأغنام، الذي يرى أنها ألذ وأكثر قابلية للهضم، مضيفًا إليها الفانيليا، وقطع اليقطين، والشوكولا، والفستق.
\nبالنسبة إليه، حلوى الكانولو تبقى عابرة للزمن، وسرّها أنها مزيج من القدسية والدنس في آن.



