Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

مرضى عالقون لأيام في الممرات.. انهيار خدمات الصحة النفسية في بريطانيا

تحذيرات من عجز حكومي يرمي ملايين الشباب للمجهول وسط أرقام قياسية لقوائم الانتظار وتكاليف باهظة.

··قراءة 3 دقائق
مرضى عالقون لأيام في الممرات.. انهيار خدمات الصحة النفسية في بريطانيا
مشاركة

تبلغ الكلفة الاقتصادية لاعتلال الصحة النفسية في المملكة المتحدة نحو 300 مليار جنيه إسترليني سنوياً، فيما حذرت مراجعة مستقلة قادها البروفيسور بيتر فوناغي في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من أن النموذج الحالي غير قابل للاستدامة. تكشف تقارير رقمية وتحقيقات صحفية صادرة في لندن عن أزمة بنيوية حادة تضرب منظومة «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» (NHS)، تتسم بتآكل البنية التحتية وتقنين الرعاية ونزيف الكوادر الطبية لصالح العيادات الخاصة.

أزمة بنيوية وارتفاع الطلب

يرتبط تفاقم الضائقة النفسية بين البريطانيين بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، وليس فقط بزيادة الوعي. أصبح شاب واحد من كل أربعة (بين 16 و24 عاماً) يعاني اضطراباً شائعاً كالقلق أو الاكتئاب، مقارنة بواحد من كل ستة عام 1993. يواجه حالياً نحو 4 ملايين طفل في إنجلترا ضائقة نفسية شديدة، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 4.5 مليون بحلول 2030، وتصاعد حالات إيذاء النفس التي قد تصل إلى 2.5 مليون حالة.

عجز التمويل وإغلاق الأقسام

يصطدم هذا التصاعد بجدار التقشف؛ إذ أظهر مسح لـ«تحالف هيئة الخدمات الصحية الوطنية» أن 7 من كل 10 قادة خدمات الصحة النفسية يتوقعون تقليص أو إغلاق خدمات خلال العام المالي 2026–2027. يتوقع أكثر من النصف شطب وظائف طبية وإدارية، بينما تخطط إحدى المؤسسات لاقتطاع 25 مليون جنيه إسترليني من ميزانيتها. فقد النظام 3,699 سريراً منذ 2014، مما رفع إشغال الأسرة المتبقية إلى ما بين 85 و100%.

رعاية الممرات وظروف الاحتجاز

حول نقص الأسر أقسام الطوارئ إلى ساحات انتظار تُعرف إعلامياً بـ«رعاية الممرات». وثقت بيانات «الكلية الملكية للتمريض» و«المجلة الطبية البريطانية» استقبال الطوارئ لنحو 216,182 حالة أزمة نفسية سنوياً، انتظر أكثر من 80 ألفاً منهم لأكثر من 12 ساعة. بقي ما لا يقل عن 5,260 مريضاً عالقين لمدة تصل إلى 3 أيام كاملة في ظروف وُصفت بأنها «فضيحة علنية أقرب إلى التعذيب»، فيما تركت مستشفيات عدة مرضى تحت رقابة حراس الأمن بدلاً من التمريض بسبب النقص الحاد.

انفجار تشخيص التنوع العصبي

قفزت معدلات تشخيص التنوع العصبي بين الفتيان بنحو 24 ضعفاً منذ عام 2000. ارتفعت نسبة المشخصين بالتوحد (بين 7 و18 عاماً) من 0.2 إلى 4.7%، والمشخصين بفرط الحركة من 0.4 إلى 5.1% حتى 2025. نتيجة لذلك، تكدس ما بين 560 ألفاً و960 ألف شخص في إنجلترا على قوائم انتظار تقييم فرط الحركة، إلى جانب 254 ألفاً إلى 295 ألفاً ينتظرون تقييمات التوحد، حيث تستقبل بعض العيادات الحكومية إحالات تفوق طاقتها لعام كامل في شهر واحد.

قوائم انتظار طويلة وحلول خاصة

في مارس/آذار 2026، لم يحصل سوى طفل واحد من كل 9 يشتبه بإصابته بالتوحد على موعد أولي خلال المهلة الموصى بها (13 أسبوعاً)، بينما تُرك 102,105 أطفال على قوائم فرط الحركة دون تواصل أولي. وصلت فترات الانتظار للبالغين في «كوفنتري ووارويكشاير» إلى 10-15 عاماً مع تعليق الإحالات الجديدة، وانتظر طفل في بلفاست 347 أسبوعاً. لجأ آلاف المرضى لتفعيل «حق الاختيار» (Right to Choose) للحصول على تقييم لدى عيادات خاصة ممولة حكومياً.

قيود المجالس ونزيف الكوادر

دفعت الفاتورة الباهظة 15 مجلساً من «مجالس الرعاية المتكاملة» (ICBs)، تغطي نحو 19 مليون نسمة، لفرض قيود تقنين صارمة. فرض 4 مجالس، يتقدمها مجلس «غرب يوركشاير» الذي تضاعفت فاتورة إحالاته المستقلة من 7 إلى 21 مليون جنيه إسترليني خلال عام، «فترة انتظار دنيا إلزامية» مدتها سنتان قبل السماح بأي تقييم في سبتمبر/أيلول 2026. نددت جمعيات المرضى بهذه الخطوة بوصفها «قسوة مؤسسية» و«باباً موصداً بتاريخ مؤجل».

هيمنة القطاع الخاص والشلل المؤسسي

يعاني القطاع العام من «نزيف أدمغة» مع استقالة أطباء نفسيين وأخصائيين وممرضين للالتحاق بالعيادات الخاصة هرباً من الإنهاك. يوجد طبيب نفسي استشاري واحد لكل 2,540 مريضاً محتملاً سنوياً في القطاع العام. استحوذت العيادات الخاصة على نصف تقييمات فرط الحركة وثلث تقييمات التوحد الممولة حكومياً، وقفز إنفاق الهيئة على خدمات القطاع المستقل لفرط الحركة بنسبة 252% خلال 3 سنوات. أظهرت بيانات برلمانية أن 48% من المشخصين انتزعوا تشخيصهم عبر الرعاية الخاصة مقابل 35% عبر القطاع العام.

انهيار مؤسسة هيرفوردشاير وورسسترشاير

أسفر النزوح الوظيفي في خريف 2026 عن شلل فعلي في «مؤسسة هيرفوردشاير وورسسترشاير للرعاية الصحية». اضطرت المؤسسة لقصر خدمات التطور العصبي للأطفال والمراهقين على الحالات الحرجة للغاية بعد رحيل معظم كوادرها للشركات المستقلة، تاركة 1,298 مريضاً ينتظرون لأكثر من عامين. بات أكثر من ربع أسرة التنويم النفسي الممولة حكومياً يُحال إلى القطاع الخاص خارج مناطق المرضى.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة