ثقافة ومجتمع

كُسرت "الشيفرة السرية" التي يستخدمها الدماغ لإنشاء نوع رئيسي من الذاكرة، يسمى بالذاكرة العاملة، حيث يسمح للأشخاص بالاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها موقتًا لفترات زمنية قصيرة.
\nوتستخدم ذاكرة العمل، على سبيل المثال، عندما تبحث عن رقم هاتف ثم تتذكر بإيجاز تسلسل الأرقام من أجل الاتصال، أو عندما تسأل صديقا عن الاتجاهات إلى مطعم ثم تتبع المنعطفات أثناء القيادة هناك.
\nويمثل العمل الجديد "خطوة أساسية إلى الأمام" في دراسة الذاكرة العاملة، كما قال ديريك ني، الأستاذ المساعد في علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة ولاية فلوريدا، لـ "لايف ساينس" في رسالة بالبريد الإلكتروني.
\nوعلى مدى عقود، تساءل العلماء كيف وأين يقوم الدماغ بترميز الذكريات العابرة.
\nوتقترح إحدى النظريات أن الذاكرة العاملة تعتمد على "مخازن" خاصة في الدماغ، منفصلة عن المكان الذي يتعامل فيه الدماغ مع المعلومات الحسية الواردة من العين أو الأنف، على سبيل المثال، أو حيث الذكريات طويلة المدى - مثل ذكريات من حضرت حفلة موسيقية معهم، أو المعرفة التأسيسية التي تعلمتها في المدرسة - يتم تخزينها، كما قال ني، الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة.
\nوتشير نظرية أخرى متعارضة إلى أنه "لا توجد مثل هذه المخازن الخاصة".
\nوفي هذه النظرية البديلة، تعتبر الذاكرة العاملة في الأساس ظاهرة ناشئة - تظهر "عندما يتم الاحتفاظ بالتمثيلات الحسية والحركية بينما نربط الماضي بالمستقبل"، كما قال ني.
\nووفقا لهذه النظرية، تضيء خلايا الدماغ نفسها عندما تقرأ لأول مرة من خلال رقم هاتف كما تفعل عندما تقوم بتشغيل هذا الرقم مرارا وتكرارا في الذاكرة العاملة.
\nوتتحدى الدراسة الجديدة، التي نُشرت في 7 نيسان في مجلة Neuron، هاتين النظريتين.
\nوبدلا من عكس ما يحدث أثناء الإدراك أو الاعتماد على مخازن الذاكرة الخاصة، يبدو أن الذاكرة العاملة تعمل خطوة واحدة من جمع المعلومات الحسية؛ يستخرج فقط المعلومات الحسية الأكثر صلة من البيئة ثم يلخص تلك المعلومات في رمز بسيط نسبيا.
\nوقال كبير معدي الدراسة كلايتون كيرتس، أستاذ علم النفس والعلوم العصبية في جامعة نيويورك (NYU): "كانت هناك أدلة لعقود على أن ما نخزنه في الذاكرة العاملة قد يكون مختلفا عما نتصوره".
\nولحل ألغاز الذاكرة العاملة، استخدم كيرتس والمعدة المشاركة يونا كواك، طالبة الدكتوراه في جامعة نيويورك، تقنية مسح الدماغ تسمى التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، والتي تقيس التغيرات في تدفق الدم إلى أجزاء مختلفة من الدماغ. وتتطلب خلايا الدماغ النشطة مزيدا من الطاقة والأكسجين، لذلك يوفر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي مقياسا غير مباشر لنشاط خلايا الدماغ.
\nواستخدم الفريق هذه التقنية لمسح أدمغة تسعة متطوعين أثناء قيامهم بمهمة تشغل ذاكرتهم العاملة؛ أكمل معدا الدراسة أيضا المهمة وساهما بمسح للدماغ في الدراسة.
\nوفي إحدى التجارب، شاهد المشاركون دائرة مكونة من حواجز شبكية على شاشة لمدة أربع ثوان تقريبًا؛ ثم اختفى الرسم، وبعد 12 ثانية، طُلب من المشاركين أن يتذكروا زاوية الشرط المائلة.
وفي تجارب أخرى، شاهد المشاركون سحابة من النقاط المتحركة التي تحولت جميعها في نفس الاتجاه، وطُلب منهم أن يتذكروا الزاوية الدقيقة لحركة السحابة النقطية.
\nوقال كيرتس: "توقعنا أن المشاركين سيعيدون ترميز الحافز المعقد - النقاط المحززة الزاوية أو النقاط المتحركة - إلى شيء أكثر بساطة وملاءمة للمهمة قيد البحث".
\nوطُلب من المشاركين الانتباه فقط إلى اتجاه الخطوط المائلة أو زاوية حركة السحابة النقطية، لذلك افترض الباحثون أن نشاط أدمغتهم سيعكس فقط تلك السمات المحددة للرسومات.
\nوعندما حلل الفريق بيانات مسح الدماغ، هذا بالضبط ما وجدوه.
\nواستخدم الباحثون النمذجة الحاسوبية لتصور نشاط الدماغ المعقد، وإنشاء نوع من الخرائط الطبوغرافية التي تمثل قمم ووديان النشاط في مجموعات مختلفة من خلايا الدماغ.
\nوتمتلك خلايا الدماغ التي تعالج البيانات المرئية "مجالا تقبليا" محددا، ما يعني أنها تنشط استجابة للمنبهات التي تظهر في منطقة معينة من المجال البصري للشخص.
\nوأخذ الفريق هذه المجالات الاستقبالية في الاعتبار في نماذجهم، ما ساعدهم على فهم كيفية ارتباط نشاط دماغ المشاركين بما لاحظوه على الشاشة أثناء مهمة الذاكرة.
\nوكشف هذا التحليل أنه بدلا من تشفير جميع التفاصيل الدقيقة لكل رسم، قام الدماغ بتخزين المعلومات ذات الصلة فقط اللازمة للمهمة قيد البحث.
\nوعند عرضها على الخرائط الطبوغرافية، بدا نشاط الدماغ المستخدم لتشفير هذه المعلومات وكأنه خط مستقيم بسيط.
\nوتتطابق زاوية الخط مع اتجاه الشبكات أو زاوية حركة السحابة النقطية، اعتماداً على الرسم الذي عرض على المشاركين.
\nوظهرت أنماط نشاط الدماغ التي تشبه الخطوط في القشرة البصرية، حيث يتلقى الدماغ المعلومات المرئية ويعالجها، والقشرة الجدارية، وهي منطقة رئيسية لمعالجة الذاكرة وتخزينها.
\nوأشار ني إلى أن أحد قيود الدراسة هو أن الفريق استخدم رسومات مبسطة للغاية، والتي لا تعكس بالضرورة التعقيد البصري للعالم الحقيقي.
\nويمتد هذا القيد إلى العديد من دراسات الذاكرة العاملة، وقال ني إنه يستخدم رسومات بسيطة مماثلة في بحثه الخاص.
\nوتعمل الذاكرة العاملة بشكل أساسي كجسر بين الإدراك (عندما نقرأ رقم الهاتف) والعمل (عندما نطلب هذا الرقم).
\nوقال ني: "هذه الدراسة، في تحديد شكل تمثيلي لا يشبه ما تم إدراكه ولا ما سيتم فعله ولكن يمكن قراءته بوضوح من الإشارات المرئية، تقدم نظرة غير مسبوقة إلى هذه المنطقة الوسيطة الغامضة بين الإدراك والعمل".